رقــان..

قنبلة إسرائيلية بأياد فرنسية

إسرائيل شاركت في تجربتين نوويتين بالصحراء الجزائرية

اتفاقية "ايفيان" لا تبرر التجارب النووية الفرنسية

منذ الإعلان الرسمي عن قيام "الكيان الصهيوني" في 15 ماي 1948، حرص دافيد بن غوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي على حث قادة الكيان الصهيوني، كوزير الدفاع شمعون بيريس وقادة جيشه مثل موشي دايان، موردخاي جور، إيغال ألون وغيرهم بالاهتمام بأمن إسرائيل وضرورة امتلاك قدرة نووية كاستراتيجية إسرائيلية لمواجهة التفوق البشري العربي، معتمدين على مقولة إيغال ألون:"يجب على إسرائيل ألا تسمح بأن تجعل وجودها يعتمد على ضمان خارجي مهما كانت الظروف، ذلك يعود لعدة أسباب: فقد يؤدي إلى خضوع إسرائيل إلى ضغط سياسي حول حل النزاع العربي الإسرائيلي في صالح الأعداء، أو قد لا تكون الدولة الضامنة معنا تماما، وأخيرا إننا نعيش في عالم -اصنعها بنفسك- واستمرار بقائنا يعتمد على قدرتنا الذاتية في الدفاع عن أنفسنا دون مساعدة خارجية".

ووفق هذا المنطق، كثفت إسرائيل جهودها بالتعاون مع جهات عديدة وأساسية وخاصة الولايات المتحدة من جهة، وفرنسا من جهة أخرى، إضافة إلى دول أخرى مكملة، ككندا وجنوب إفريقيا وتايوان حتى وصلت إلى تخطي العتبة النووية. واستمرت إسرائيل في التكتم والإنكار بكل ما يتعلق بحجم برنامجها النووي وأهدافه العسكرية، حتى عام 1995 أين نشر معهد أبحاث السلام بالسويد في تقاريره أن إنتاج وتطوير الأسلحة النووية قد توقف في العالم باستثناء دولتين هما إسرائيل والهند، اللتين تواصلان إنتاج البلوتونيوم لأغراض عسكرية. وقدر التقرير، حينها، أن مخزون إسرائيل من البلوتونيوم الصالح لأغراض عسكرية يقدر بنحو 440 كغ والهند 350 كغ، ولعل في تلك الأرقام دلالة واضحة على أن إسرائيل كانت مستمرة في تطوير برنامجها النووي حتى في ظل تفوقها النووي في المنطقة، وفي ظل التغيرات التي شهدتها هذه البقعة من العالم وأمام خيارات السلام التي طرحتها بعض الدول العربية.

حافظ البرنامج النووي الإسرائيلي على تفاصيل سريته ومجالات تعاونه مع دول عديدة وخاصة مع فرنسا. وجرى التكتم على تفاصيل تجاربها ومواقع تنفيذها في مناطق عديدة من العالم، ومنها الصحراء الجزائرية، رغم بعض التسريبات التي نشرها الإعلام العالمي عنه هنا وهناك، وما عرف عنه من خلال بعض الإشارات التي وردت في تقارير العديد من المخابرات العالمية منها المخابرات المركزية الأمريكية نفسها. البدايات الأولى للتعاون النووي الفرنسي الإسرائيلي منذ أكثر من أربعة عقود، حيث تسربت المعلومات عن تعاون نووي واسع يتم بين إسرائيل وجنوب إفريقيا ومع فرنسا، في الوقت الذي كان هذا التعاون يتم في أفضل حالاته مع الولايات المتحدة ويحظى بدعم قادتها ونخبها العلمية والذرية.

إن المعلومات حول التعاون النووي الفرنسي الإسرائيلي ظلت دائما في الظل ولازالت تفاصيله حبيسة أدراج الأرشيف الفرنسي والإسرائيلي معا، لكن الحقائق حول الصفقات النووية الفرنسيةـ الإسرائيلية بدأت تظهر وتثير فضول الباحثين، خصوصا بعد أن فجر الفرنسيون قنابلهم النووية السطحية والباطنية خلال سنوات الستينيات من القرن الماضي والاستخدام الواسع للأراضي الصحراوية الجزائرية لإجراء التجارب الصاروخية وبعدها النووية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. ولم تتوان إسرائيل من أن تقدم على العديد من الأنشطة السرية من خلال عملاء الموساد الإسرائيلي للحصول على المواد والأجهزة النووية والمعلومات، وأن تخترق العديد من المؤسسات والمخابر النووية الغربية بالتعاون مع عملاء يهود وغير يهود خلال شبكات متخصصة كانت مسيرة من قبل الموساد الإسرائيلي ونشاطه الخارجي للحصول على ما يحتاجه مشروعها النووي. سلكت من أجل تحقيق أهدافها عدة طرق، منها مشروعة وأخرى غير مشروعة لتقايض بما يتوفر لها من مواد وخبرات للتعاون والتبادل مع دول أخرى، مقابل امتيازات لها تضاف لتطوير مشروعها النووي ، كما هو الحال مع المشروع النووي الفرنسي والجنوب إفريقي "فترة حكم النظام العنصري".

 وقد استفادت إسرائيل من خبرات علمائها في مجالات عديدة جعلتها تصل إلى غاياتها في اختراق العديد من المشروعات النووية للدول الأخرى، وخاصة المشروع الفرنسي والجنوب إفريقي من خلال التعاون وتبادل الخبرات. كانت فرنسا تحتل موقعا مرموقا في مجال الدراسات النووية قبل الحرب العالمية الثانية، وبعد انتهاء الحرب مباشرة، سعت فرنسا إلى جمع علمائها الذين واجهوا حالات من الاستبعاد والمحاصرة من قبل الولايات المتحدة وحرموا من احتلال مواقعهم الرئيسية في برنامج الذرة الأمريكي والبريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، منهم المفوض الفرنسي السامي للشؤون النووية، فردريك جوليو كوري، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء الذرية، ونظرا لقناعاته الشيوعية فكان معارضا للخيار النووي الفرنسي، وهو أول من وقع نداء استكهولم للسلام عام 1950 وبدعم من الاتحاد السوفييتي قاد الحملة العالمية من أجل حظر الأسلحة النووية بكافة أنواعها.

منذ بدايات القرن الماضي، كان الفرنسيون على علم واطلاع تام بقضايا الانشطار النووي، وقد أسهموا معهم في كثير من الحالات بعض العلماء الإسرائيليين حتى في بناء المفاعلات النووية الاختبارية. لعب بذلك العالم الفرنسي بيرين دورا هاما بتقريب الإسرائيليين من المشاريع والبرامج النووية الفرنسية، كان بيرين اشتراكيا سبق له أن فر من بريطانيا عام 1940 بعد سقوط فرنسا تحت الاحتلال النازي، وارتبط بصداقة مع بيرجمان، ثم سافر إلى تل أبيب عام 1949، وبعد تلك الزيارة لإسرائيل سمح لبعض العلماء الإسرائيليين بالمجيء إلى ساكلاي، وهو مركز الأبحاث النووية الوطنية الفرنسية الذي أقيم قرب فرساي للمشاركة في بناء مفاعل نووي اختباري صغير في ساكلاي، وهي فرصة ساعدت العلماء الإسرائيليين من نقل التكنولوجيا الفرنسية إلى إسرائيل وتوطيد علاقاتهم مع زملائهم الفرنسيين.

كان عام 1951 هو عام القرار الحاسم بالنسبة لفرنسا ولإسرائيل، ففيه تجاوز جيبوما اعتراضات بيرين، وأجاز بناء مفاعل نووي يستخدم اليورانيوم الطبيعي وقودا له، ويمكنه أن ينتج بعد المعالجة الكيميائية 22 رطلا من البلوتونيوم الصالح لصنع أسلحة نووية، ويستخدم الجرافيت في ضبط رد الفعل المتسلسل في المفاعل. وقد تم العثور على اليورانيوم الطبيعي على مقربة من ليموجي في وسط فرنسا، وذلك ما ساعد جيبوما على الاستغناء عن الطريقة البديلة في استخدام اليورانيوم المخصب كوقود للمفاعل، حيث أن التقنيين الفرنسيين في ذلك الوقت لا يتقنون عملية تخصيب اليورانيوم، فانه لابد من الاعتماد على الموردين الأجانب ويبقي بذلك فرنسا رهينة بيد الآخرين. في العام التالي، شرع الفرنسيون في البناء بجنوب وادي الراين أين منحت شركة سان جوبين تكنيك نوفيل، وهي شركة كيميائية ضخمة عقدا لبناء مصنع المعالجة الكيميائي في ماركول. كانت فرنسا مهتمة بالطرق الإسرائيلية لصنع أوكسيد الديوتريوم واستخلاص اليورانيوم من خامات الفوسفات التي تحتوي على درجة تركيز منخفضة من تلك المادة. كما كانت فرنسا راغبة في الحصول على تكنولوجيا الكمبيوتر الأمريكية التي كانت محظورة على فرنسا ولكن إسرائيل تمكنت من الحصول عليها بطرق عدة. في عام 1953، عقدت إسرائيل مع فرنسا اتفاقية للتعاون النووي وبموجب تلك الاتفاقية، سمحت فرنسا للعلماء الإسرائيليين بالاستفادة من التدريب والتقنية الأساسية الفرنسية في الميدان النووي. وحسب جاك ديروغي، في مقالته حول اتفاقية التعاون النووي بين فرنسا وإسرائيل التي في رأيه: "كانت خارج أي إشراف برلماني في فرنسا، ففي أكتوبر 1956 كان رئيس الوزراء غي موليه، ووزير دفاعه، بورجيس مينوري، ومدير مكتبه ابيل توماس قد باشروا مجتمعين مع شمعون بيريس وزير دفاعه بن غوريون، سباق التسلح العالمي وتبادل المخترعات، باتصالات مباشرة من وراء ظهر دائرة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس، ودائرة مراقبة الأراضي، إجراءات سرية مختلفة وحميمية كانت أكبر مما بين جهازي الدولتين، وينقل جاك ديروغي عن بيــير بن، مؤلف كتاب "قنبلتان" قوله إن رجلا مكلفا أنشأ في أفريل 1958 شركة وهمية لحساب سان غوبان الذي وضع ديمونا موضع العمل بلا علم الجنرال ديغول. وقد تشعب المفاعل الذي كان مختف خلف واجهة معمل للنسيج في نهاية عام1962، وأصبح معمل الاستخراج يعمل نهاية 1966 وجربت الصواريخ الحاملة للرؤوس المنقولة من قبل داسو في ربيع1967.

جاء في نشرة الدليل السنوي حول القوات المسلحة في العالم الصادر في باريس عام 1982: إن مفاعل ديمونا يمكنه أن ينتج 9 كغ من البلوتونيوم، وهو ما يكفي لصنع قنبلة ذرية من طراز قنبلة هيروشيما خلال تلك الفترة. إن التقارير المتسربة عن أوضاع مفاعل ديمونا أشارت إلى أن الفرنسيين بنوا منشآت فصل البلوتونيوم تحت الأرض بعيدا عن المراقبة وتسمح تلك المنشئات من إنتاج 4 ـ 5 كغ من البلوتونيوم في السنة معدة للأغراض العسكرية. وفي السبعينيات، تمت توسعة المفاعل إلى قدرة وصلت إلى 70 ميغاواط، مما يتيح له إنتاج كميات من البلوتونيوم تكفي صنع 8 قنابل نووية سنويا ويشير الدليل إلى أن الخبراء الإسرائيليين هم الذين زادوا من قدرة مفاعل ديمونا إلى 70 ميجاواط].ومهما اختلفت التقديرات حول قدرة ديمونا على إنتاج البلوتونيوم إلا أنها لا تقلل من قدرته على إنتاج كميات ما بين 8ـ9 كغ عندما بدأ الإنتاج بقدرته الكاملة. فان إسرائيل وفي حدود عام 1960 تكون قد جمعت الكمية اللازمة من البلوتونيوم لصنع قنبلة من طراز قنبلة نجازاكي التي تطلبت 10.441كغ].

منذ الخمسينيات، كان العلماء والفنيون الإسرائيليون قد حصلوا على جملة من المعارف والخبرات، وجاء في الدليل أنه في بداية الستينيات ربما فجر الفرنسيون في منشآتهم الصحراوية قنبلة ذات فكرة فرنسيةـ إسرائيلية.>لا تخفي الكثير من المراجع معرفتها المبكرة بمستوى التطور النووي الإسرائيلي حين أشارت منذ 1961<، إلى أن مؤسسة البحث العسكري الإسرائيلية امتلكت عددا من المختبرات الكبيرة والتقنيين الذين يعرفون كيف يفجرون كبسولة الأجهزة النووية وهكذا يبدو أن المساحات الشاسعة من الصحراء الجزائرية وحاجة فرنسا إلى الخبرة الإسرائيلية دفعت بالتعاون الفرنسي الإسرائيلي إلى مداه. وهذا يعني بشكل جلي أن فرنسا مكنت إسرائيل من الاطلاع على نتائج التجارب الذرية الفرنسية الأولى في الصحراء الجزائرية من خلال المشاركة والتنفيذ الميداني، ومقابل ذلك، باعت إسرائيل لفرنسا براءات اختراع العالم"إسرائيل دوستروفسكي"، منها إمكانية الوصول إلى إنتاج الماء الثقيل بطريقة كيميائية منخفضة التكاليف كما نجحت في تحضير اليورانيوم الطبيعي من الفوسفات، عمل الدكتور"إسرائيل دوستروفسكي"، في قسم البحوث عن النظائر في معهد وايزمان، وطور عملية كيميائية لإنتاج الماء الثقيل الضروري لعمل المفاعلات، ونجح العالمان الإسرائيليان أشعيا نيبنزال، ومناحيم ليفين، في معالجة تخصيب اليورانيوم باستخدام أشعة الليزر، وهو ما يعتبر أرخص وأسرع وسائل التخصيب في العالم، حيث أمكن تخصيب7 غرامات يورانيوم ـ 235>Uـ235< بدرجة 60% خلال يوم واحد.

تطور التعاون النووي الفرنسي الإسرائيلي بشكل عكس حاجة كل من الطرفين لما يمتلك الآخر من إمكانيات ولخرق الحصار التقني الذي فرضته دول النادي العالمي النووي آنذاك على غيرها من الدول لمنع انتشار الخبرات النووية خارج دولها وخاصة في الحصول على الماء الثقيل واليورانيوم، لقد وجدت فرنسا في هذا التعاون فرصتها لتقليل الاعتماد على التقنيين الأمريكيين كما أن اشتراك إسرائيل في التحالف مع فرنسا وبريطانيا عام 1956 في العدوان الثلاثي على مصر دفع التعاون النووي الإسرائيلي ـ الفرنسي إلى توقيع >اتفاقية سرية تتضمن إنشاء مفاعل نووي بقدرة 26 ميجا واط يعمل باليورانيوم الطبيعي والماء الثقيل<. واجه كل من المشروعين النووين الفرنسي والإسرائيلي مصاعب كبيرة للحصول على الاحتياجات المطلوبة لتطورهما وخاصة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا رغم توفر بعض المساعدات في مجالات محددة. ففرنسا سعت إلى استخدام الخبرات الإسرائيلية التي نقلها العلماء اليهود عن الولايات المتحدة وغيرها معبرا للوصول إلى ما تحتاجه من مواد وخبرات، وإسرائيل هي الأخرى حققت ما خططت له لتطوير برنامجها النووي للاستفادة من فرنسا في الحصول على فرصة بناء مفاعل ديمونا، والاستفادة من وجود الأراضي الجزائرية الشاسعة تحت الاحتلال الفرنسي وإمكانية استخدامها كساحات للتجارب الصاروخية والنووية كما سنرى لاحقا.

 بشار.. مسرح للتجارب

الصاروخية الفرنسية الإسرائيلية

يرى البعض أنه من الممكن أن تكون صناعة الصواريخ في إسرائيل قد أبهرت الفرنسيين إلى الحد الذي جعلهم يطلبون من الإسرائيليين أن يساهموا أيضا في تصميم السلاح النووي الفرنسي، فقد حققت الصناعة العسكرية الإسرائيلية في ميدان الأسلحة الصاروخية نجاحات هامة، خاصة في بعض الجوانب المحددة لتكنولوجيا الصواريخ، إذ كانت إسرائيل قد حصلت على أنواع من أجهزة الكومبيوتر التي ساعدت الإسرائيليين في ميدان صناعة الوقود السائل للصواريخ الباليستية. كما أن تكنولوجيا الوقود الصلب الإسرائيلية كانت أكثر تطورا من نظيرتها الفرنسية. وكانت مجالات أخرى في تصنيع الصواريخ الفرنسية أكثر تطورا من نظيرتها الإسرائيلية وبهذا الصدد يشار إلى دفع إسرائيل ما قيمته 100 مليون دولار إلى فرنسا في أوائل الستينيات مقابل قيام فرنسا بتقديم يد المساعدة لإسرائيل في تطوير صاروخ أريحا الذي يعتبر من أكثر الصواريخ الإسرائيلية تطورا جرى تجريبه في منطقة حماقير في ولاية بشار في الصحراء الجزائرية منذ عام 1956وإن صاروخ أريحا، وهو الأكبر حجما والأعظم أهمية تمت عملية بنائه في البداية في مصانع فرنسية، كما قام العلماء الفرنسيون بتجربته في موقع طولون الفرنسي للتجارب في الصحراء الجزائرية.

المشروع النووي الإسرائيلي..

الشغل الشاغل للكيان الصهيوني

67 إصابة بالسرطان خلال سنة و800 حالة إجهاض بسبب التلوث الإشعاعي و الخبراء يطالبون فرنسا بالاعتذار وتعويض ضحايا تجاربها

كانت إسرائيل طريقا لمرور كثير من التكنولوجيات النووية نحو فرنسا وقد تمكنت إسرائيل من بيع العديد من تلك التكنولوجيات إلى فرنسا مقابل امتيازات أخرى منها المشاركة المباشرة بتفجيرات فرنسا النووية في الصحراء الجزائرية. توافقت احتياجات كل من فرنسا وإسرائيل في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي. كلتا الدولتين لديها من الإطارات العلمية والتقنية في المجال النووي وكلتاهما بدأت التفكير بالتسلح النووي العسكري. وفي إسرائيل احتل التفكير بالمشروع النووي الإسرائيلي حال قيام دولة الكيان الصهيوني من جانب الدكتور حاييم وايزمان، أول رئيس لدولة إسرائيل، والذي كان على صلات وطيدة مع العلماء المتخصصين في مجال الذرة منذ الحرب العالمية الثانية، وكان ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي مقتنعا أشد الاقتناع بضرورة سعي إسرائيل إلى امتلاك السلاح النووي. ولم يمض على قيام إسرائيل في 15 ماي 1948 سوى ثلاثة أشهر تجسد هذا الحرص الإسرائيلي في إنشاء مؤسسة الطاقة الذرية الإسرائيلية في 15 أوت 1948 تحت إشراف وزارة الدفاع.

ضمت المؤسسة علماء الذرة الإسرائيليين ومن ضمنهم علماء بارزين من أصل فرنسي مثل دي شاليت، وكوتييلي، وتالمي البلجيكي، وبيلاج النمساوي، وهابر شايبم من ألمانيا الشرقية. أرسل كل من دي شاليت، وكوتيلي، وجولدنبرج، عام 1949 إلى بريطانيا للتخصص في الكيمياء الإشعاعية وكيمياء التفاعلات النووية وأرسل تالمي إلى المانيا للتخصص في الإشعاعات النووية واختص بيلاج في تطبيقات النظائر المشعة. أما هابر شايبم، فقد سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتخصص في مجال النظائر المشعة، أين عمل في مختبرات لوس الاموس في نيو مكسيكو لمدة أربعة سنوات تحت إشراف روبرت أوبنهايمر. كما أرسلت بعثة من المهندسين النوويين إلى الولايات المتحدة للتدريب في مشروع فلوشير، الخاص بدراسة تقنيات التفجيرات النووية تحت الأرض، حيث توسط العالم الأمريكي روبرت أوبنهايمر، لتدريب أفراد البعثة الإسرائيلية في ذلك المشروع. وعندما أعلن الرئيس الأمريكي إيزنهاور عن برنامج "الذرة من أجل السلام", في 15 نوفمبر 1954، وأعلنت الأمم المتحدة عن إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 4 ديسمبر 1954 واستفادت إسرائيل كثيرا من المساعدات العلمية والتقنية وحظيت بحصة الأسد من النظائر المشعة واليورانيوم الطبيعي والمخصب الذي كانت تقدمه الولايات المتحدة بموجب البرنامج المذكور، فقد حصلت إسرائيل على 390 شحنة من أصل 3785 شحنة من النظائر المشعة أي حوالي%11 ، أو ما يعادل أكثر من حصة 6 دول مجتمعة، كما نالت على كميات كبيرة من المساعدات الأمريكية المقدمة لـ 26 دولة من بينها إسرائيل، تضمنت تلك المساعدة 265 طنا من اليورانيوم الطبيعي، 192 طنا من اليورانيوم المخصب،11 طنا من اليورانيوم الجاهز للتفجير و30 كغ من البلوتونيوم، وحصلت إسرائيل بموجب هذه المساعدات على 90% من الوقود النووي اللازم لتشغيل مفاعلاتها. لم يكد عام 1955 يطل، حتى تم تأسيس أول قسم للفيزياء النووية في معهد وايزمان للعلوم، أين تولى العلماء النوويون الإسرائيليون واليهود العائدون من الخارج بعد إنهاء دراساتهم الإشراف على الأبحاث النووية، منهم د. جيرالد بن دافيد وإبراهام باراور، ويوسف نعمان، وإسحق ماركوس، وجاكوب تدمر.

وتوالت التخصصات والأقسام الجامعية في مختلف التخصصات الفيزيائية والهندسية النووية وتجاوز عدد علمائها وخبرائها المئة من بينهم البروفسورأ. د. ابرجمان، والبروفسور ش. يفتاح، والبروفسور تساهي جزاني، وغيرهم جميعهم تلقى تدريبا متخصصا عاليا في ميدان العلوم النووية في ألمانيا وفرنسا وانجلترا والولايات المتحدة. بنت إسرائيل مفاعلات ومشروعات نووية في ناحال سوريك ومدن أخرى بعضها تحت الأرض وتملك المؤسسة النووية الإسرائيلية أربعة مفاعلات ذرية موجودة في المدن التالية: ريشون ليزيون، وهو أول مفاعل إسرائيلي تم بناؤه في 20 نوفمبر 1954 شمال مدينة ريشون ليزيون وانتهى بناؤه في 25 ديسمبر 1956، بلغت طاقته الإجمالية 8 ميجاواط من النوع الحراري غير المتجانس مخصص للأبحاث العلمية وإنتاج النظائر المشعة. يستخدم اليورانيوم الطبيعي بنسبة 80% ويورانيوم ـ235 بنسبة 20 % ويستخدم الماء الثقيل كمعدل ومهدئ. ولم تعترف المصادر الإسرائيلية بوجوده إلا عام 1960 واستغل للأبحاث العلمية، وعن طريقه، تمت دعوة كبار علماء العالم في المجال الذري وفيه تمت عملية تخصيب اليورانيوم باستخدام الليزر، وإسرائيل صاحبة براءة الاختراع لهذه الطريقة الهامة في تخصيب اليورانيوم.

مفاعل ديمونا الذي تقرر بناؤه منذ 1957 كمفاعل ذو قدرة كبيرة يفي باحتياجات إسرائيل النووية, وجرى بناء هذا المفاعل حسب تصميمات فرنسية، وضعتها لجنة الطاقة الذرية الفرنسية تشبه تصميمات المفاعل "جي3 " الذي بني في ميركول بفرنسا، ومن الناحية الرسمية أعلن عن تشغيله عام 1960 بعد أن فضحت وجوده الولايات المتحدة. يستخدم اليورانيوم الطبيعي وكذلك الماء الثقيل وكلا المادتين متوفرة لدى إسرائيل. تطور هذا المفاعل حتى بلغت طاقته 150 ميجاواط وهو يستطيع إنتاج البلوتونيوم239 وبكميات كبيرة لذا يعتبر مفاعلا إنتاجيا. إن فرنسا قدمت هذا المفاعل لإسرائيل مقابل الأسرار النووية التي أسهمت في تطوير البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي والتي نقلتها إسرائيل إليها. وأسهم كبار العلماء الفرنسيين في الإشراف على مفاعل ديمونا وتقديم الخبرة والمشورة التقنية، منهم م. روبول، وهـ. بيساس، وي.جيرار، وغيرهم من كبار العلماء الفرنسيين. وهناك مفاعل آخر هو مفاعل نبي روبين، و"المركز الإسرائيلي للنظائر المشعة"، وقد بلغت تكاليف تلك المفاعلات ما يقارب 362 مليون دولار أمريكي. وفي عام 1959، تكاملت المؤسسة النووية الإسرائيلية وتوسعت علاقاتها الدولية سواء مع الولايات المتحدة أو أوربا ومنها فرنسا.

ملتقى دولي لفتح سجل الجرائم النووية للإستعمار الفرنسي

تقاريـــر أخرى