الجزائر تعتزم استصدار قوانين تتعلق بآثار التجارب النووية

الصحراء عاشت تجربة أعنف من تلك التي عاشتها هيروشيما

سيتم إدماج الجزائر ضمن المسعى الدولي لاستصدار قوانين، تتعلق بمعالجة آثار التجارب النووية، وإنشاء مؤسسات علمية متخصصة للقيام بالخبرة والمتابعة المتواصلة، نظرا لكون الصحراء الجزائرية، إحدى المناطق الرئيسية التي تم بها هذا النوع من التجارب إبان الاحتلال الفرنسي.

يعتبر الملتقى الدولي الأول من نوعه بالجزائر المنعقد اليوم وعلى مدار يومين بنزل الاوراسي، حول آثار التجارب النووية في العالم والصحراء الجزائرية، فرصة لتبادل الخبرة مع مختصين من مختلف دول العالم المهتمين بآثار التجارب النووية، وإعداد حوصلة حول مسار التجارب النووية في العالم وآثارها المختلفة، حسب ما أكده مدير المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الأستاذ جمال يحياوي أمس، في لقاء مع الصحفيين بمقر المركز. مضيفا انه سيتم وضع خريطة عالمية لانعكاسات التجارب النووية المختلفة من خلال هذا الملتقى، مع التفكير في ربط شبكة بين جميع الهيئات والمنظمات المعنية بالموضوع، وكذا الاستفادة من خبرات الدول المعنية في الميدان وفي تسيير المناطق الملوثة بالإشعاعات، وكذلك الاستفادة من الخبرات المتوفرة في ميدان التكفل الصحي والقانوني بالضحايا وسكان الجوار، مع تنظيم لقاءات دورية في المناطق أو البلدان المعنية بالتجارب، للتنسيق والمتابعة وذلك بسبب استمرار آثار التجارب لمدة زمنية طويلة.

وتعتبر الصحراء الجزائرية نموذجا وضحية لتجارب نووية بمنطقتي رقان وتمنراست، وخاصة أن تجربة رقان النووية تساوي 6 مرات ما تساويه قنبلة هيروشيما، فهل ستكون فرنسا مجبرة يا ترى على تعويض المتضررين بالمنطقة، التي حولتها إبان احتلالها للجزائر إلى فضاء لمختلف التجارب النووية السطحية والباطنية، الأمر الذي جعلها مستودعا للنفايات المشعة، التي لازال إلى يومنا هذا يعاني من آثارها العديد من الجزائريين، وأدت إلى ظهور عدة أمراض خطيرة وقاتلة مثل سرطان الجلد وإجهاض عدد كبير من النساء والحيوانات، والعقم وتساقط الشعر، بالإضافة إلى وفاة الأطفال عند الولادة وفساد المنتوج الزراعي، إضافة إلى تلوث البيئة.


إستخدام 42 ألف جزائري في تجارب نووية

ملتقى دولي لفتح سجل الجرائم النووية للإستعمار الفرنسي

قبل سنة صادق البرلمان الفرنسي على قانون يمجد الاستعمار، ولم يكتف المشرعون في الجمعية الفرنسية بذلك بل اقروا مصطلح "ايجابية الاستعمار"، بدل الاعتذار عن الجرائم التي اقترفها الاستعمار في الجزائر وطلب العفو من الشعب عن جرائم الإبادة التي تعرض لها الجزائريون طيلة عقود، ومنها النشاط النووي الذي كان من بين الصفحات الأكثر دموية في تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر فالتجارب النووية في قلب الصحراء الجزائرية من الأحداث المهولة في هذا السجل الذي سيفتح اليوم أمام العيان خلال الملتقى الدولي الذي تستضيفه الجزائر يومي الثلاثاء والأربعاء بحضور رئيس الجمهورية الذي سيشرف على مراسيم الافتتاح الرسمي لهذه الندوة التي سيتم خلالها التطرق إلى الجوانب التاريخية والقانونية لهذه التجارب وكيفية تسيير أثارها السلبية في مختلف المجالات.

اعتبر مسؤول بوزارة المجاهدين أن تنظيم الملتقى الدولي حول التجارب النووية بالجزائر يومي 13 و14 من شهر فيفري الجاري سيكون فرصة للاستفادة من تجارب الدول التي عايشت التجارب النووية واستطاعت تسيير أثارها الوخيمة على مختلف المجالات الاجتماعية و النفسية والبيئية والصحية بصفة عامة، ومن بين أهداف هذا الملتقى - كما أضاف المسؤول نفسه- " التنديد بهذه التجارب والاستماع أيضا للدول ضحايا التجارب النووية خاصة أثناء وجودها تحت الهيمنة الاستعمارية والتعرف على مواقفها التاريخية وحول طرق تعاملها مع أثار الإشعاعات النووية.

كما يشكل هذا اللقاء أيضا فرصة " للاطلاع على تجارب هذه الدول في كيفية التعامل قانونيا مع ضحايا الإشعاعات النووية وحصر عدد هذه التجارب وأماكنها وزمن وقوعها وطرق تنفيذها والآثار التي خلفتها لاسيما على صحة الإنسان وعلى البيئة، وسيتطرق المشاركون في إلى "التجارب النووية التي أجرتها فرنسا أثناء الاحتلال وبعد الاستقلال الوطني في منطقتي تمنراست وادرار".

وسينظم على هامش الملتقى -كما أوضح مسؤول الوزارة- " معرض كبير في بهو فندق الاوراسي يتم خلاله عرض مختلف الصور والوثائق التي تم جمعها من طرف خبراء ومختصين وطنيين وأجانب لإبراز أثار الإشعاعات النووية لاسيما على صحة الإنسان والبيئة".

كما ستنظم زيارة ميدانية لفائدة الخبراء الدوليين المشاركين في اللقاء إلى ولاية تمنراست وبالتحديد إلى منطقة عين أمقل في 15 من فيفري الجاري- كما أوضح السيد عباس- " لإعطاء فرصة لهم للاحتكاك بضحايا التجارب النووية والتعرف عن الآثار التي خلفتها هذه التجارب على المحيط البيئي بهذه المنطقة بالذات.

وبالنسبة للملاحظين فان الندوة الدولية ستكون فرصة لفتح سجل النشاط النووي الفرنسي في الجزائر الذي يعد من بين المراحل الأكثر دموية في تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر، وتبقى صور هذه الجريمة المرتكبة في حق الإنسانية راسخة في الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة حيث تتداول ألسنة شهود التفجيرات قيام القوات الفرنسية قبل تفجير القنبلة بإحصاء المباني والسكان ونصحها هؤلاء السكان بالاحتماء بغطاء خارج ديارهم ووضع قلادات على رقابهم لقياس شدة الإشعاعات التي تعرضوا لها.

وقد ذكر تقرير لمؤسسة جزائرية هي المركز الوطني للدراسات والبحث أن ضابطا فرنسيا هو الكولونيل بيكاردا اقترح على الحكومة الفرنسية استعمال 200 مجاهدا مسجونا قصد تعريضهم للإشاعات وإجراء اختبارات عليها. وفي صباح 13 فبراير 1960 وضعت القنبلة في أعلى برج معدني يرتفع على مستوى الأرض بـ 106 مترا ووضعت أيضا من حوله أبراج مختلفة تحمل كاميرات لتسجيل مختلف مراحل الانفجار والإشعاع الحراري الناتج عنه والذي يذكر سكان مدينة أدرار الواقعة على بعد 175 كلم من مكان إجراء التجارب أنهم شاهدوا الشعلة النارية المنبعثة في سماء رقان.

وحول هذه القضية ذكر الباحث الفرنسي المتخصص في التجارب النووية الفرنسية برينو باريلو أن سلطات الاستعمار الفرنسية استخدمت 42 ألف جزائري "فئران تجارب" في تفجيرها أولى قنابلها النووية في صحراء الجزائر في 13 أكتوبر 1960 و27 ديسمبر من العام نفسه. وقالت الدراسة التي أعدها باريلو إن فرنسا أجرت التجربتين المذكورتين في بلدة الحمودية وجبل عين عفلى التابعتين لمنطقة رقان (أقاصي الجنوب الجزائري) وقال الباحث الفرنسي في ندوة في العاصمة الجزائرية القنبلة النووية إياها فجّرت على 42 ألف شخص من السكان المحليين وأسرى جيش التحرير الجزائري.

وعرض باريلو صوراً لمجاهدين جزائريين مصلوبين يلبسون أزياء عسكرية مختلفة، وصوراً أخرى عن حجم الدمار الذي أحدثته القنبلة على بيئة المكان، وما آلت إليه معدات عسكرية (طائرات ومدرّعات) كانت رابضة على مبعدة كيلومتر من مركز التفجير. وأوضح أنّ الفرنسيين تعمّدوا الإكثار من ضحايا التجريب وتنويع الألبسة، للوقوف على مستوى مقاومة البشر للإشعاعات النووية على مسافات مختلفة، معتبرا أنّ فرنسا مُدينة للجزائر بسبب التجارب النووية التي أجرتها على أراضيها بين 1961 و1966.

وقال باريلو إنّ معظم الصحراء الجزائرية متضررة من الإشعاعات النووية المنتشرة عبر الرياح، وإن سكان تلك المناطق يبقون مهددين بما تفرزه شظايا البلوتونيوم، وإنّ اتفاقية إيفيان التي وقعتها فرنسا مع جبهة التحرير الجزائرية، وكانت مقدمة لاستقلال البلاد فيما بعد، نصت على استكمال باريس تجاربها النووية في الصحراء الجزائرية، علما أنّ فرنسا أجرت 210 تجارب نووية بين 1960 و1996، وتعدّ بذلك ثالث قوة نووية بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق.

وروى المجاهد الجزائري محمد بن جبار (68 عاما)، وهو أحد ضحايا الإشعاعات النووية وآخر من بقي من الشهود الجزائريين الأحياء، أنّ المنشآت التي تسلمتها الجزائر من الجيش الفرنسي لم تقتصر على المخابئ التي ردمت فيها بقايا التجهيزات والمركبات البرية والجوية التي استعملت في التجارب، ولكن أيضاً محطة توليد الكهرباء التي كانت تعمل بالطاقة النووية، فضلاً عن منشآت هيدروجينية وآلاف الأطنان من المواد الحديدية والنحاسية التي لم يتم ردمها وغيرها.

وقال بن جبار إنّ تلك التفجيرات أفرزت مظاهر الاحتراق والقحط الذي طال الصحراء الجزائرية وقتل نباتها وحيواناتها، حتى أن الخراف والجمال صارت تلد "وحوشاً"، وظهرت أمراض غريبة وسط سكان المنطقة، ثم كشف عسكريون وأطباء فرنسيون عديدون أنّ جيش بلادهم استخدم سكان المناطق التي تمت فيها التفجيرات، ومنهم من استقدم من مناطق أخرى، في حقل التجارب الإشعاعية، ووضعوا في مناطق التفجيرات من دون وقاية، ولم يخضعوا بعدها لأي عمليات علاج من هذه الإشعاعات.

وكان ابن جبار الذي رفضت محكمة تولوز الفرنسية قبول دعوى قضائية رفعها في 1985 قد غادر الجيش الجزائري قبل 32 عاما، بعدما اكتشف الأطباء أنه تعرض لإشعاعات نووية، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عن السعي لكشف الحقيقة حول التفجيرات النووية الفرنسية في صحراء بلاده، وأسس جمعية لضحايا التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر.

وسيكون السيد جبار احمد الذي استلم ثكنة عسكرية قرب منطقة صحراوية أجريت فيها تجارب نووية. من بين المشاركين في هذه الندوة إلى جانب عدد من ضحايا التجارب النووية بالجزائر لاسيما من ادرار ووهران وسيتم الاستماع في اللقاء إلى "شهود عيان للتجارب النووية حول التحولات البيئية والطبيعية التي عرفتها منطقتي ادرار وتمنراست

تقاريـــر أخرى