عبد الحميد مهري :

تعديل الدستور يجب أن يكون تتويجا لتغيير سياسي عميق ومتكامل

في هذا الحوار الذي أجرته جريدة الخبر صرح عبد الحميد مهري أن تعديل الدستور يجب أن يكون تتويجا لتغيير سياسي عميق ومتكامل وهذا نص الحديث :

* لنبدأ بآخر حدث سياسي، عودة رابح كبير رئيس الهيئة التنفيذية للجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة، في الخارج، والذي أعاد خلفيات الأزمة إلى الواجهة وحرك بعض جوانب التدافع. ما تعليقكم على هذه العودة ؟

- الوضع الطبيعي هو أن الجزائريين يعيشون ببلدهم ويتمتعون بكل حقوقهم، بما فيها حق التنقل والسفر. وعودة السياسيين الجزائريين الذين يوجدون في الخارج مؤشر إيجابي إذا توفرت كل شروط التمتع بالحقوق التي خولها لهم الدستور.

ونرجو أن تكون عودة السيد رابح كبير ومن معه خطوة على هذا الطريق ومؤشرا على إرادة العودة إلى علاقات طيبة بين الجزائريين مهما اختلفت أفكارهم ومشاربهم.

* مسعى المصالحة الوطنية استهلك كامل وقته، ونحن الآن ننتظر التقرير النهائي عن النتائج المسجلة. ما تقديركم لتدابير المسعى وهل بإمكانها معالجة الأزمة وتجاوز أحقادها ؟

- من وجهة نظري، مشروع المصالحة الوطنية المطبق الآن بعد إقراره، فيه جانب إيجابي وهو التخفيف من آثار الأزمة على المستويين الإنساني والاجتماعي، بل إنه في فقرات هامة يشير إلى استمرار الأطروحات والاختيارات السياسية التي كانت المرتكز لتسيير الأزمة، وفي فقرات أخرى يضيق القانون على البحث في موضوع الأزمة ويجرم الذين قد تكون لهم أحكام وأفكار مغايرة في تحليل أسباب الأزمة وآثارها.

واعتقادي أنه حان الوقت لإخراج المصالحة الوطنية من مفهوم عاطفي غامض يكمن تلخيصه في مقولة ''عفا الله عما سلف'' إلى مفهوم سياسي واضح يهدف إلى حلول توافقية لأمهات المشاكل المطروحة على بلدنا، سواء قبل الأزمة أو أثناءها أو بعدها.

* يترقب الرأي العام الكشف عن مضمون مشروع تعديل الدستور في أية لحظة، في وقت ما زالت المواقف السياسية تعرف تباينا واضحا حول العملية وبعض مضامينها. ما رأيكم في مطلب تعديل الدستور ؟

- تعديل الدستور قد يكون له ما يبرره. وقد كان هذا المطلب ضمن القضايا التي أثـرتها في رسالتي إلى رئيس الجمهورية من قبل. أظن أنه لا حاجة للإشارة إلى الأهمية البالغة التي يكتسيها هذا المسعى، وما يتطلبه من ظروف يمكن جميع القوى السياسية من بناء هذا الصرح الذي يطمئن لغطائه كل الجزائريين. غير أن الملاحظ حتى الآن، أن هذا الموضوع يناقش انطلاقا من احتمالات وتكهنات لا يمكن أن تغذي نقاشا عميقا يمهد لدستور صالح لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها بلادنا.

* إذن كنتم أحد السباقين للمطالبة بمراجعة الدستور ضمن نظرة كلية، فما هي منطلقات ومبررات التعديل في نظركم ؟

- تقديري أن أي تعديل للدستور يجب أن يكون تتويجا لتغيير سياسي عميق. لكنني لا أرى في الأفق مسعى متكاملا لمطلب التغيير كما ينتظره الشعب وكما تمليه تجربة الجزائر منذ الاستقلال. وفي رأيي، فإن التعديل المطلوب لا يمكن أن يتم بمعزل عن مشروع سياسي حقيقي يتطلبه المجتمع.

* وماذا عن قضية فتح باب العهدات الرئاسية ؟

- أما قضية فتح عدد العهدات الرئاسية، ففي وجهة نظري هي قضية جزئية قد تأخذ أبعادا إيجابية أو سلبية عند وضعها في السياق السياسي العام وما يحمله من تغيير حقيقي يتطلبه المجتمع.

* قضية عبان رمضان عادت بقوة منذ مدة. فما حقيقة الأمر والجدل الذي يثار حولها ؟
- المرحوم عبان رمضان من القادة البارزين في الحركة الوطنية والثورة الجزائرية. ومن الطبيعي أن تبقى قضيته مثارا للبحث والتساؤل. والذي أستطيع أن أكرره على ضوء ما سمعته من آراء ومناقشات، أن قضية عبان رمضان، وكما سبقت الإشارة هذه الأيام، ليست قضية تصفية ذات طابع شخصي، بل إن لها جوانب سياسية وتنظيمية معقدة قد لا يتسع المقام لتفصيلها. لكني أرجو من الذين يتصدون لكتابة تاريخ الثورة أن يتحملوا عناء البحث عن كل هذه الجوانب، وأن يبتعدوا عن الأحكام السطحية التي تتراوح بين التخوين والتقديس.

* وقعت تصريحات البابا العنيفة مشهدا جديدا من تحامل الغرب على المسلمين، وكانت بمثابة تزكية دينية لما ينفذ حاليا ضد الأمة العربية والإسلامية في سياق صراع محتدم للحضارات والقيم. كيف تصنفون تصريحات البابا الجديد ؟

- أول ملاحظة تفرض نفسها هي أن زلات اللسان والقلم والريشة تعددت وتكررت في الآونة الأخيرة، وهي تصب كلها في اتجاه واحد. وأن العنف الذي يظهر في ساحات متعددة ويطبع العلاقات الدولية بطابع مأساوي نابع من الإسلام أو من إسلام خاص أو من إسلام غير الإسلام الصحيح.

ثانيا، هو أن أصحاب الزلات يبادرون كلهم بإبداء أسفهم على ما تسببت فيه تصريحاتهم من جرح شعور المسلمين. ويؤكدون جميعا بأنه أسيء فهم مقصدهم.

ثالثا، أن جميع المسلمين يعبرون بمختلف الوسائل عن غضبهم أمام هذه السلوكات، ويطالبون أصحابها بالاعتذار. غير أن بعض ردود الفعل تحت طائلة الغضب تخرج عن دائرة ما يتلاءم مع طبيعة الإسلام.

رابعا، أفهم شخصيا أن الهدف من وراء الزلات هو إثارة العواطف والصراعات الدينية للتغطية على الزلات الحقيقية، بل على الخطايا الكبرى التي تتسم بها سياسة الدول الغربية الكبرى تجاه العالم العربي والإسلامي وقضاياه العادلة.

خامسا، هناك سؤال أساسي ينبغي طرحه وهو: ما تأثير مثل هذه التصريحات على المسيحيين وعلى الرأي العام في الغرب بصفة عامة ؟

إن هذا الجانب قد يكون هو أخطر آثار هذه التصريحات التي تغذي لدى الرأي العام الغربي الأحكام المسبقة ضد الإسلام وتهيئته بصفة مدروسة لتبني أطروحة صراع الحضارات.
إن الاعتذار للمسلمين، سواء تم أم لم يتم، لا طائل من ورائه ''إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون'' صدق الله العظيم.

أما تأثير هذه التصريحات على الرأي العام المسيحي والغربي، فهي شديدة الخطورة. وأعتقد أن أول ما يطلب من أصحاب هذه التصريحات هو القيام بتصحيحها لدى المسيحيين والغربيين بصفة عامة، وأني لا أعتقد أن المواطن العادي في الغرب يستطيع أن يفرق بين الإسلام الصحيح وبين ما تحمله الوهابية أو السلفية.

وبمعنى آخر، أعتقد أن المقصود هو إذكاء الصراع بين المعابد للتغطية على مخططات المخابر والدوائر العسكرية والسياسية الغربية. وبدل أن نحاول معالجة هذا الوضع بندوات تجمع رجال الدين، ينبغي أن نطالب بلقاءات وندوات جدية لطرح القضايا السياسية الأساسية التي هي مثار صراعات ونزاعات عميقة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.

تقاريـــر أخرى