حول قانون المحروقات

بوتفليقة يعترف بخطئه ويتهم بعض المسؤولين بالجهوية

قال الرئيس بوتفليقة في خطاب له أمام إطارات الأمة بمناسبة التوقيع على قانون المالية لسنة 2007، إنه لن يسكت مستقبلا عن الممارسات الجهوية للمسؤولين الذين يحوّلون المشاريع التنموية إلى ولاياتهم على حساب ولايات أخرى، وقال معبرا عن نقمته على الأوضاع الحالية للتنمية الوطنية، بأن "الموس بلغ العظم" ومشددا على ان المسؤولية فيما حدث جماعية. 

وأضاف الرئيس في نوع من العتاب الذاتي: "لقد كنت متواطئا، أي غضضت الطرف عن ممارسات بعض المسؤولين، لكن قرّرت ألا أتواطأ مستقبلا مع احد". وقال لا يمكن القبول بهذا الوضع، وأضاف في مقطع من خطابه، أن هذه الأموال هي أموال الشعب وليست أموال بلخادم

 الرئيس الذي كان يعلق على ما يبدو على تقرير إعلامي ليومية متمركزة في غرب البلاد عن حرمان ولايات المنطقة من برامج تنموية مقارنة بالولايات، أشار إلى أن ولايات استفادت من برامج ضخمة، لكن ولايات أخرى ظلت متخلفة بحجة افتقادها لوسائل الإنجاز مثل مواد البناء. وأضاف "لا بد من إعادة النظر في الخريطة الوطنية للتنمية واستدراك الوضع في الولايات المتضررة، حيث أن أفقر الولايات بقت على حالها". وبحسب قوله، فإنه لن يحرم الولايات المستفيدة من برامجها، لكن يجب ألا يكون ذلك على حساب ولايات أخرى.

وحذّر الرئيس من مخاطر هذه السياسات الجهوية، وقال إنها ليست سياسة استقرار، وأن هذا يفتح الباب أمام ظهور مشاكل لا يعلمها أحد، ليخلص إلى القول في السياق ذاته "لأننا لم نقض على الإرهاب لخلق جراح أخرى". ودعا الرئيس الولاة غير القادرين على ممارسة مهامهم، الانصراف وترك مناصبهم والعودة إلى منازلهم. واقترح الرئيس مراجعة التنظيم الإداري الحالي في الجزائر، ودعا الحكومة إلى بذل جهد أكبر لإحداث توازن جهوي أكبر تساهم فيه الجامعة عبر إدماج الجزائريين، لأنه لا يمكن القضاء على الجهوية ونحن نحشد الطلبة في مراكز جامعية محلية. وقال الرئيس إنه يتوجب إعادة صياغة النصوص المنظمة للجماعات المحلية وإعادة تنظيم البلاد إداريا وإقليميا. وسجل الرئيس أن إعادة النظر في التنظيم الادراي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار تحيد صلاحيات المنتخب المحلي والشروط التي تتحكم في اختياره قبل ترشيحه. لابد من قانون لضبط الإنفاق شدد الرئيس بوتفليقة في خطابه على أهمية الإسراع بتقديم قانون ضبط الميزانية والقانون العضوي للمالية، وقال إنه يجب على قطاع المالية أن يفرغ في أقرب الآجال من تفكيره حول مفهوم مردودية النفقات العمومية بما يمكن توجيه النفقات المقبلة.

كما ألح الرئيس بوتفليقة على أهمية ترشيد نفقات الدولة، داعيا وزارة المالية إلى ضبط عمل البنوك وخصوصا انها تعطي أحيانا قروضا أكبر مما تتضمنه رساميلها. وتساءل كيف يتم منح متعامل قرضا بـ6000 مليار سنتيم وهو لا يملك في الجزائر 200 مليون سنتيم، مؤكدا أن فترة الإثراء من البنوك العمومية انتهى. وفي رد على انتقادات المؤسسات المالية الدولية وخصوصا صندوق النقد الدولي والبنك العالمي اللذين يعبر خبراؤهما عن انشغالهم من غياب الشفافية في الإنفاق العمومي بالجزائر، اعتبر الرئيس بوتفليقة أن الحديث عن سوء تدبير استعمال فائض مداخيل النفط، افتراء لا أساس له من الصحة. وقال إن الفائض تم رصده لتخليص ذمة الأمة من الديون المعلنة وغير المعلنة، في إشارة إلى الديون العسكرية حيث تقلص حجم الديون إلى 4.7 مليار دولار، 700 مليون دولار منها فقط مديونية عمومية.

وأعرب الرئيس بوتفليقة عن جاهزة الجزائر لسداد ما تبقى من ديون خارجية، والعزم على عدم اللجوء نهائيا إلى الاستدانة من جديد. وأشار الرئيس إلى أن جزءا من الأموال ذهب إلى صندوق احتياطي التقاعد لتغطية المعاشات بالنسبة لأجيال المستقبل. كما ذكر الرئيس بصندوق ضبط الإيرادات الذي بلغ رصيدة 42 مليار دولار، حيث يُستخدم جزء منه لتمويل عجز الخزينة. وأشار الرئيس إلى أن قطاع كبير من المداخيل وجهت لمشاريع اقتصادية واجتماعية تهدف إلى إعادة بناء المنشآت التي دمرها الإرهاب الذي خلف خسائر تصل إلى 20 مليار دولار. وألح الرئيس بوتفليقة على رئيس بنك الجزائر، محمد لقساسي لتصحيح الأرقام إن تضمنت أخطاء. وانتقد الرئيس في هذا السياق التقارير التي يتلقاها وأعطى مثالا بالأرقام المتعلقة بالبطالة، وأشار إلى انه تلقى السنة الماضية تقريرا بأن عدد البطالين في الجزائر نزل إلى 15 بالمائة والآن لديه أرقام بـ15.3 بالمائة، وتساءل ألم يسجل أي تقدم خلال كل سنة 2005 في مجال مكافحة البطالة.

وشدد الرئيس بوتفليقة إلى الحاجة إلى مصارحة الشعب الجزائري بكل الحقائق، مشير إلى حاجة الجزائريين إلى التغيير، وقال إن أملنا كبير في حدوث ذلك لأنه بقدر عظمة الشعب الجزائري متاعبه أكبر. وقال الرئيس بوتفليقة من جهة أخرى، إن التراجع عن قانون المحروقات جاء من منطلق الرجوع الى الحق فضيلة وإنه رجوع إلى الصواب. وفي رد ضمني على تهديدات الشركات الغربية بخصوص الانسحاب من الجزائر بعد تعديل قانون المحروقات، قال الرئيس إنه لن يتراجع، كره من كره وأحب من أحب. ليس في نيتنا إعادة ترتيب العالم عبّر الرئيس عن انشغاله من اختراق المنظمات غير الحكومية للمجتمع الجزائري وتدخلها في الشؤون الداخلية للدولة وغياب تمويل داخلي لنشاطات المجتمع المدني الجزائري، وخصوصا من قبل رجال الأعمال الذين يحصلون على قروض ضخمة دون أن يدعموا المنظمات الجزائرية.

وانتقد الرئيس بوتفليقة المترددين على مكاتب السفارات الأجنبية والمنظمات غير الحكومية الدولية التي لا تخدم سوى مصالحها الوطنية، معتبرا المترديين بأنهم مخبرون في خدمة المصالح الخارجية. وأظهر الرئيس بوتفليقة مجددا رغبة الجزائر في الاهتمام بشؤونها الداخلية والنأي بنفسها عن الصراعات والتحالفات الدولية. وقال إن لنا من المشاكل ما يكفينا عن المشاكل الدولية وما نريده هو النهوض ببلادنا والسير بها قدما إلى الأمام. وأوضح الرئيس بوتفليقة إنه ليس في نيتنا إعادة ترتيب العالم رغم شعورنا بعدم عدالة النظام الدولي. وأضاف من حقنا أن نولي مشاكلنا حقها دون أي بخل. ورغم أن الرئيس لم يتحدث عن قضية بعينها، فإن تحاليل أشارت إلى أن المقصود هو الأمريكيين على وجه الخصوص الذين يرون في الجزائر حليفا ينوب عنهم في مكافحة الإرهاب بالقارة الإفريقية.

ولم يشر الرئيس بوتفليقة تماما إلى مسألة إعادة النظر في الدستور رغم دعوته إلى إعادة النظر في النظام الإداري المحلي، أي العمل بمخطط إصلاح هياكل الدولة وما يتضمنه من تقسيم الجزائر على أساس جهوي، الأمر الذي يتطلب في حد ذاته إعادة النظر في بعض قواعد الدستور في هذا المجال. وعكس ما توقعته تحاليل صحفية وتناقلته وكالات الأنباء العالمية، كان حديث الرئيس عن الدستور عابرا وتحدث عن أسس الدستور الحالي وخصوصا أن الإسلام دين الدولة، وخيّب بذلك القراءات الاستشرافية حول وجود رزنامة عاجلة للتعديل. ويبدو أن الدستور لم يعد في المرحلة الحالية من أولوياته، بل عكس الخطاب نوعا من التوجه للاهتمام أكثر إلى المسائل الداخلية ومعالجة التأخر في إنجاز المشاريع التنموية، بعد ما أمضى سنوات من حكمه في الاهتمام بالقضايا الدبلوماسية والمسائل السياسية الداخلية والأمنية الوطنية.

تقاريـــر أخرى