|
|
|
جدل
طبي قانوني في أمريكا
قطرات
من الدم.. بين الفائدة الصحية واقتحام
السرية
|
|
بعد
ولادة طفل بأربع وعشرين ساعة في مينسوتا
قامت الممرضة في المستشفى بأخذ خمس قطرات
من الدم من كعب قدمه. وتم إرسال ثلاث
عينات من الدم مباشرة إلى معمل الصحة في
الولاية في مدينة سانت بول وقام مندوب
بحمل عينتين إلى مستشفى مايو في روشستر.
وخلال أيام سوف تعرف الأسرة إذا كان
الطفل واحدا من أكثر من خمسين حالة
وراثية نادرة والتي من الممكن الكشف عنها
الآن وعلاجها. وإن هذا الأمر بالنسبة لـ
إيلا ماديسون ربما يمثل حدا فاصلا بين
الحياة والموت. حيث تعاني إيلا من مرض
التليف الذي يسد الرئتين والبنكرياس. وإن
مثل أولئك الأطفال قد يموتون من العدوى
أو يموتون جوعا لأن أجسامهم لن تكون
قادرة على امتصاص الغذاء.
ولأن
المرض قد تم تشخيصه عند ولادة إيلا فقد
بدأت في تناول العقاقير بشكل منتظم. وهي
طفلة ساحرة ذات عيون زرقاء وابتسامة
مثيرة للإعجاب وتبدو الآن في صورة صحية
جيدة حيث يبلغ عمرها 19 شهرا.
ولكن
برنامج الولاية لجمع المعلومات التي من
المحتمل أن تنقذ إيلا يعد في خطر الآن حيث
أصبحت منطقة مينسوتا مكانا للصراع
بين علم الوراثة وخصوصية الحمض
النووي DNA.
و
تقوم مستشفى مينسوتا بفحص الأطفال
حديثي الولادة من أجل التحكم في العديد
من الاضطرابات أكثر من كونه فحص لأغراض
أخرى. وقد أصدرت ولاية مينسوتا العام
الماضي قانونا لحماية سرية جميع
البيانات الوراثية. وتعد ولاية مينسوتا
مسقط رأس تويلا براس المدافعة عن حق
الخصوصية.
وتقود
براس مجموعة صغيرة ولكنها مؤثرة من مؤيدي
سياسة الحفاظ على السرية الذين يقولون
بأن حجم البيانات التي تقوم ولاية
منيسوتا بتسجيلها عن المواليد الجدد من
أجل الاختبارات الإجبارية الوراثية لها
مبررات مجهولة مستقبلية خاصة بالتوظيف
أو التأمين. ويقول الأطباء والمسئولين
الرسميين في الصحة بأن هذا يعد تدخلا
يمكن أن ينقذ حوالي 140 طفل من الموت أو
الإصابة بالعجز الخطير.
ويقول
كلا الطرفين بأنهما سوف يعرضان القضية
على الهيئة التشريعية العام المقبل. حيث
يقول مارك ماكان مدير برنامج تسجيل
المواليد الجدد في القسم الصحي في ولاية
مينسوتا : " إننا نعيش في عصر الطب
التنبؤي الذي يضع التحديات أمام
المعايير الأخلاقية والخبراء الشرعيين.
هل
من الضروري الحصول على موافقة الآباء قبل
إجراء الاختبار؟ هل على الولاية الحصول
على تصريح من أجل الاحتفاظ بعينات الدم
من أجل البحث؟ ومن يجب أن تكون له صلاحية
التعامل مع تلك العينات؟ ومن هو المستفيد
من ذلك؟
كما
قال براس رئيس مجلس المواطنين للرعاية
الصحية: " إن فحص المواليد الجدد هو
اختبار وراثي. ونحن لا نعرف حتى الآن في
أي شيء سوف يستخدم في المستقبل." وأضاف
براس بأنه ليس ضد إجراء الاختبارات على
المواليد الجدد, ولكنه يعتقد أن من حق
الآباء أن يختاروا إجراء تلك الاختبارات
أم لا. ويقول الأطباء والمسئولون
الرسميون عن الصحة أن الاتجاه الفردي
الذي يتبناه براس يعرض كمية كبيرة من
البيانات الطبية الرئيسية للخطر والتي
من الممكن أن تستخدم من أجل تحسين صحة
الآلاف وتقيهم من الأمراض الوراثية دون
أن يكون هناك مساس بالسرية الخاصة
للأفراد.
إن
براس ينظر للأمر من الناحية
التشريعية. هكذا ترى ماري ليز هولبرغ
الجمهورية التي تسمي براس بأنه ديفيد
الذي يقف في وجه عملاق الصناعة الطبية
حيث رسمت السيناريو التالي: " بعد خمس
سنوات من الآن عندما يحدث اختراق لأنظمة
الكمبيوتر فلن يمكنك أن تطلبي من الآباء
أن لا يهتموا بتخزين الولاية لتلك
البيانات. وهذا ما سوف يجعلنا في حقيقة
الأمر في مشكلة."
ويقول
الأطباء والمسؤولون الرسميون كيف يمكن
أن يعرقل الخوف من المجهول هذا البرنامج
الذي يقدم فوائد واضحة للأطفال في الوقت
الحالي. حيث قال الدكتور بيرو رينالدو
الذي يشرف على برنامج مستشفى مايو لفحص
حديثي الولادة: " إن الناس يشاهدون
التليفزيون كثيرا. وما يحدث الآن هو عرض
مرضي." كما أضاف: " إن الاختبار
يستهدف عدد معين من الحالات. وإذا كنت
تعتقدين أنه يمكنني أن استخلص الحمض
النووي من قطرة قليلة من الدم واكتشف كل
شيء عنك. فإن هذا ليس حقيقيا بالمرة."
كما
قال ديفيد أورين المستشار القانوني
لرئيس القسم الصحي : "ثم إن هناك وجهة
النظر التي تراعي الصحة العامة. حيث أن
فحص حديثي الولادة يشبه الحاجة إلى حزام
الأمان في السيارة أو وضع مادة الفلورايد
في مياه الشرب شيء بسيط مزعج ولكنه من أجل
مصلحة كبيرة. إن كون البيانات في حوزة قسم
الصحة العامة هو شيء مختلف تماما عن
كونها في حوزة لص أو مخترق لأجهزة
الكمبيوتر."
وإن
فحص حديثي الولادة يتم منذ عام 1965 ولكنه
انتشر هذا العقد مع التطوير في عمليات
الفحص. وإن تلك العملية تسمح بالقيام
باختبار لعدد كبير من الأمراض الوراثية
في وقت واحد. قد يبدو الأطفال في البداية
أصحاء ولكن فجأة يصبحون مرضى بتلك
الأمراض ويجعلون أسرهم يطوفون على
المستشفيات من أجل البحث عن السبب. ولكن
الفحص يسمح بالوقاية المبكرة بالأدوية
أو التغذية الخاصة من أجل تجنب مشاكل
النمو أو حتى الوفاة.
وفيما
بين عامي 2001 و 2006 انتقلت ولاية مينيسوتا
من فحص خمسة اضطرابات إلى فحص 53 مرضا.
وخلال هذا العام أضافت فحص السمع. وتعد
ولاية مينيسوتا من بين الولايات القليلة
التي تقوم بالاختبار من أجل تسجيل
البيانات الخاصة بالحالات كما أوصت
الكلية الأميركية للطب الوراثي.
وما
لا تستطيع الولاية القيام به بنفسها يتم
إجراؤه في مستشفى مايو ويكلف القسم الطبي
المستشفيات والمتخصصين في ولادة النساء
101 دولار أميركي من أجل إجراء الاختبار
لكل طفل حديث الولادة وتقوم المستشفيات
بدورها بنقل تلك التكاليف إلى التأمين
الصحي.
ويقول
ماكان : "إن القسم الصحي في ولاية
مينيسوتا يقرر بأن العديد من الحالات تعد
حالات نادرة. فمن خلال 72.000 من الأطفال
حديثي الولادة في ولاية مينيسوتا كل عام
هناك فقط حوالي 140 طفل تكون لديهم
اضطرابات مرضية. وبالنسبة لأولئك
الأطفال فإن التدخل المبكر يؤدي إلى
نتيجة كبيرة على الأسرة والأطفال حيث
يقلل من ترددهم على المستشفيات وإنفاق
الكثير من الدولارات."
أما
كاتي ستاجني فتعرف مقدما ماهية المشكلة.
حيث أن ابنتها ميليسا كانت تبلغ من العمر
ثلاثة أيام عندما حدثت لها غيبوبة. ولقد
شخص الأطباء ما حدث على أنه نقص في الحمض
الأميني اللازم لتمثيل البروتين وهي
حالة نادرة الحدوث. وقد أفاقت ميليسا من
الغيبوبة وهي مصابة بتلف في المخ. وهي
الآن تبلغ من العمر 18 عاما وقد تخرجت من
المدرسة العليا من خلال برنامج التربية
الخاصة. وتبلغ نسبة ذكائها 60 في المائة. (
وإن متوسط الذكاء هو 100).
ولقد
عملت ستاجني لسنوات من أجل القيام بالفحص
ويتم فحص الأطفال الرضع الآن من أجل
الكشف عن نسبة الحمض النووي عندهم. ولقد
أسست جمعية الحمض النووي العضوي وتولت
مسؤولية اللجنة الاستشارية لفحص حديثي
الولادة. وتقول ستاجني : "بالنسبة
للوالدين الذين لديهم طفل مريض فإن عملية
السرية هي آخر ما يفكرون فيه."
ومع
استمرار الجدل فإن الأطباء ينادون بضم
الأمراض الأخرى إلى قائمة فحص حديثي
الولادة.
ويحاول الدكتور مارك شلسس أستاذ طب
الأطفال في مستشفى الأطفال التابع
لجامعة مينيسوتا إلحاق مرض cytomegalovirus
بالقائمة الفيدرالية للفحص الوراثي
للأطفال حديثي الولادة. وهي الشكل الثاني
الأكثر شيوعا من التأخر العقلي بعد
متلازمة داون . وإن اللجنة الاستشارية
لقسم الصحة الأمريكية والخدمات
الإنسانية سوف تراجع مثل تلك الترشيحات
من الأمراض خلال العامين المقبلين.
ولم
يتابع شلسس جدل الخصوصية. وقال: " إذا
لم يتم فحص الطفل فإنه لن يمكن توظيفه أو
التأمين عليه في المستقبل."
ففي الدورة التشريعية في عام 2006 فإن
النائب هولبيرغ الذي يستشهد بالقلق
الخاص بعملية سرية البيانات قد حاول
تغيير قانون فحص الأطفال حديثي الولادة
من كونه فقرة يمكن حذفها إلى فقرة ثابتة
لا يمكن حذفها.
ولقد
حذر المسئولون في مجال الصحة من أن
العديد من الآباء الذين يقعون في دوامة
الطفل المولود حديثا لن ينزعجوا وسوف يقل
عدد الأطفال الذين يتم فحصهم. وقد تم
التكتيم على تلك الوثيقة بواسطة اللجنة.
وخلال
فصل الربيع الماضي حاولت اللجنة الصحية
تعديل قوانين فحص الأطفال حديثي الولادة
من خلال تحديد العينات اللازم أخذها وما
هي المعلومات المطلوب من المستشفيات
تقديمها للوالدين شفويا وكتابة.
وخلال
فترة التعليق العام امتدح براس وثيقة
أخرى مقدمة تم إقرارها تحت مسمى قانون
البيانات الوراثية لعام 2006 والتي تغطي
مجموعة من قضايا السرية الوراثية.
ونتيجة
لذلك حكم قاضي إداري في مارس الماضي بأنه
على الوالدين أن يوقعا على تصريح يعطي
قسم الفحص الحق في الاحتفاظ بعينات الدم
من أجل البحث العلمي.
وفي
شهر أغسطس,قام القسم فجأة بسحب التعديلات
تاركا القواعد الأصلية فقط.
وإن
النائب فيليس كان عن منطقة مينابولس الذي
شارك في رعاية وثيقة السرية الوراثية
نادى مع هولبيرغ بضرورة تطبيقها على فحص
حديثي الولادة كنتيجة تابعة غير مقصودة.
ويقول كان وآخرون بأنهم يتوقعون أن يقوم
المشرعون بإعادة مناقشة كيف ومتى يجب
أن يعطي الوالدين الموافقة في الدورة
القادمة.
وقد
قال النائب بول تيسين من منطقة مينابولس
مسئول لجنة الخدمات الصحية
والإنسانية: " إننا نريد التأكد من أن
المستشفيات تجعل المعلومات متاحة عما
يحدث بشأن عينات الدم."
أما
تيسين فيعاني ابنه إيفان من مرض نقص
إفراز الأدرينالين وهو اضطراب يعجز فيه
الجسم عن إفراز كمية كافية من هرمون هام
وحيوي. ولقد تم تشخيص هذا الاضطراب عند
ولادة الطفل إيفان في عام 2003 بعد شهور فقط
من إضافة فحص هذا المرض إلى قائمة
الأمراض التي يتم فحصها عند الأطفال
حديثي الولادة.
وقد
قال تيسين: " ربما قمت بعمل الحديث قبل
أن تذهبي إلى المستشفى.... فهناك العديد من
النقاط الآن التي يمكنك التحدث عنها."
وفي المنزل في منطقة أوستيجو نجد مين
والدة إيلا ماديسون مقتنعة ببعض الأفكار.
فبعد ولادة إيلا لم تعرف أن الممرضات قد
قمن بأخذ عينات من دمها حتى قرأت خبرا عن
سرقة البيانات الطبية لطفل. وإن إيلا
تبدو بخير ولكن عندما أخذتها ماديسون إلى
المستشفى مرة ثانية لكي تزنها قيل لها أن
نتيجة اختبار إيلا بخصوص التليف الكيسي
كان موجبا. وقد تم توجيههم إلى جامعة
مينيسوتا. وفي اليوم الأول قضوا ثماني
ساعات يقابلون الأطباء والمستشارين
والممرضات في قسم الوراثة.
وقد
تم وضع إيلا تحت أدوية الاستنشاق في
الحال. وقد تعلمت ماديسون كيف تقوم
بالضرب على صدرها الرقيق من أجل المساعدة
في إزالة المخاط الملتصق. وتتذكر تارا
ماديسون عندما حاولوا إجراء تحليل وراثي
لها للكشف عن التليف الكيسي عندما
كانت حاملا والتي رفضت إجراؤه. حيث أنه لا
يوجد شخص في عائلتها أو عائلة زوجها لديه
هذا المرض.
وقالت
أيضا أنها كانت سترفض إذا تم إخبارها
بضرورة إجراء فحص لطفلتها حديثة الولادة
إيلا. حيث قالت: " كل أب أو أم يقول لا
ليس طفلي مريضا." وهي تعتقد الآن أن هذا
الفحص لا يجب أن يكون اختياريا بل يجب أن
يتم إجراؤه إجباريا"