مدير مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة :

البحث العلمي ليس قرارا سياسيا..

فنحن بحاجة إلى استراتيجية بعيدة المدى

يؤكد مدير مركز تنمية التكنولوجيات الحديثة في هذا الحوار المتميز على أن تطوير البحث العلمي في البلاد لا يعني قرارا سياسيا فحسب، بل مرتبطا بنظرة واستراتيجية بعيدة المدى، ويدعو السيد حميد بصالح إلى حماية الباحثين وتوفير مناخ ملائم للبحث والابتكار.. ويضيف قائلا ''علينا أن نخجل من أنفسنا لأننا نستهلك ناتج أفكار الآخرين''.

الدكتور حميد بصالح / مدير مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة 

* السؤال الأول يتعلق بمهام المركز وطبيعة نشاطه، هل لكم أن تعرّفوا القارئ بهذا المركز؟

- مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة واحد من 18 مركزا للبحث الموجودة في الجزائر في مختلف الميادين. و هو مركز تنمية وليس مركز بحث، فهناك فرق بين المصطلحين.

مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة يتولى مهمة أخذ نتائج علمية إما بتطويرها بنفسه أو ترجمتها إلى منتجات اقتصادية أو خبرات، يعني ذلك أن المركز أقرب إلى السوق من أي مركز بحث تقليدي يقوم بالبحث الأساسي أو القاعدي، وبالتالي فمركزنا يعمل في حقل البحث من أجل التنمية. عندما نحصل على نتائج علمية مثلا في ميدان الإعلام الآلي، يجب أن يتحول هذا الناتج العلمي الأصلي إلى مادة أو منتوج برنامج، وهذا الأخير سيطرح في السوق وبالتالي فنحن نمر من نتيجة علمية أصلية إلى إبداع تكنولوجي موجه للاستهلاك. إذن فمهمتنا في المركز معقدة في الحقيقة، في دول أخرى هذه المراحل تتوزع على هياكل متعددة وهيئات مختلفة.

بالإضافة إلى ما سبق، يقوم المركز بالتكوين، إذ لا يمكن أن نقوم بالبحث العلمي في غياب كفاءات علمية من مصاف الدكتوراه، لأن هؤلاء هم من يتولوا البحث. هذه هي المهام، أما بالنسبة للميدان أو التخصصات فكما تعلم فإن التكنولوجيات المتقدمة حقل واسع وشاسع وكل مرحلة أو حقبة تتميز بتكنولوجياتها المتقدمة.

* مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة تم إنشاؤه منذ أكثـر من 20 سنة و سيحتفل هذا العام بعامه العشرين. كيف تطورت ميادين البحث طوال هذه الفترة وكيف تكيف المركز مع هذا التطور؟

- في البداية كانت لدينا ميادين واسعة للبحث، كان هناك ''السيبرنيتيك'' وتعني كل ما هو''أوتوماتيك''، إعلام آلي، رياضيات .. وكان لدينا شق آخر مرتبط بالبحوث في ميدان الطاقة النووية والأمور تطورت.. العلوم وحتى حاجات الاقتصاد الوطني تغيرت، فكان هناك انفتاح أكثر لأنه في تلك الفترة كنا نتعامل بشكل كبير مع المؤسسات العمومية الاقتصادية .. وكان علينا أن نلعب دور الوسيط بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية. وكذلك من مهام المركز هو التفكير في مشاريع مستقبلية في محاولة للاستجابة إلى متطلبات الحاضر وكذلك العمل على منتجات مستقبلية. في تلك الفترة كان هناك الاحتكار ولم تكن هناك منافسة وبالتالي كل ما كان يطوّر في مركزنا يوجه إلى الاستهلاك في المحيط الاقتصادي، ومع الانفتاح الاقتصادي برز إلى الوجود معطى جديد وهو المنافسة، وحتى في ميدان البحث كان علينا إيجاد منتجات ونتائج علمية مُبتكرة وفريدة لجعلها في مستوى المنافسة مع السوق الدولية. وفرض على مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة مواكبة هذا التطور، مع العلم أن تقييم نشاط ومستوى المركز يتم بناء على ثلاثة مقاييس: أولا الإنتاج العلمي المنشور في الدوريات المتخصصة الدولية، المنتوج التكنولوجي من خلال عدد الإجازات أو المنتجات، التكوين وتحويل المنتجات، وهذه العوامل الأربعة هي معاملات لتقييم أي مركز بحث.

* هل مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة استطاع الصمود في وجه ما نعرفه من منافسة شرسة في السوق الدولية خاصة في حقل معقد و صعب؟

- المركز يعمل في ميادين متعددة، أولها كل ما يتعلق بهندسة الإعلام الآلي وكل التطبيقات المتعلقة بذلك وميدان آخر هو الإلكترونيك الدقيقة كالشرائح الإلكترونية تصميما وصناعة، ونحن بصدد الإنتهاء من تشييد قاعة بيضاء لصناعة الدارات المدمجة، وهناك ميدان الليزر وكل التطبيقات الممكنة، وكذا معالجة المواد أما المجال الرابع والأخير هو الروبوتيك. وكل ميدان تعمل به دوائر بحث تتألف بدورها من  3 إلى 5  فرق بحث. وهناك بعض المشاريع تتطلب فرقا مشتركة من ميادين مختلفة. المركز يتوفر على حوالي 150 باحث، والنشاط في حد ذاته مكّن من الوصول إلى نتائج علمية معترف بها عالميا،

وأقول أن هذا المركز متوسط  بالنظر إلى الإنتاج العلمي، معتدل من حيث الأبحاث المنشورة والإجازات العلمية والتقنية.. لماذا متوسط؟.. لأن نواة كل بحث علمي أو أي مركز بحث هي بالتأكيد الموارد البشرية، بإمكانك أن تبني أكبر المراكز في العالم ولكن إذا لم يوجد المورد البشري فكل ما تقوم به لن يكون له أي حظ في النجاح، وبالتالي لإيجاد المورد البشري جلبنا الكثير من الباحثين من مستوى الدكتوراه من داخل و خارج البلاد، بالإضافة إلى حاملي شهادة الماجستير، كانوا يأتون ويعملون، إلا أن الظروف في أماكن أخرى أفضل في بعض الأحيان، فتجدهم يمكثون لفترة بالمركز ويقدمون عددا من المنشورات ويقدمون- في نفس الوقت- ترشحهم في مراكز أخرى و يُقبلون.. هذا المشكل عرفناه سابقا ولا نزال.

* المعروف حتى في الدول المتقدمة أن الباحث المبتكر يعتبر سمكة نادرة، هل يعاني مركزكم من مشكل نزيف الأدمغة؟

- مركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة كان له الحظ في اتباع سياسة التكوين مكثف لكل الباحثين، 80% من الباحثين بالمركز هم نتاج صرف للمركز، وهذا لحسن حظنا و إلا لكانت الكارثة. هناك باحثون قدموا من الخارج وعادوا من حيث أتوا، وأقول أن النواة الصلبة للمركز من أبناء المركز نفسه وتشكل ثروته. غير أنه يجب أن نجد سياسة صارمة في مجال حماية العامل البشري

وهذا أساسي لأن تشكيل فريق بحث يتطلب مجهودا كبيرا في مختلف المراحل ويكفي أن يغادر باحث واحد ليصبح المشروع في خبر كان والعودة إلى نقطة الصفر، ومن ثم فالإنشغال الأساسي لمدير مثلي يبقى حماية الكفاءات.. كيف نستطيع ذلك بوسائل المركز والتي تبقى غير كافية؟!.. نحتاج إلى وسائل أخرى كتلك التي يتيحها القانون حول البحث العلمي. وهذا يعني الباحثين بمركزنا وآخرون في المراكز الأخرى وحتى الأساتذة الباحثين . الجزائر تتوفر على 33 ألف إطار بين أستاذ باحث وباحث. هذا الرقم علينا أن نحميه لأنهم يمثلون قاطرة البلاد. 33 ألف فقط وهذا ليس كثير، ومهم جدا أن نحميهم بشتى الوسائل لأنهم هم من يقع على عاتقهم خلق أنشطة ومناصب عمل جديدة وهم معنيون بالتكفل بمشاكل تنمية البلاد. الدولة أنفقت و استثمرت في هؤلاء الناس وفي الأخير يتركون هكذا، يجب أن نفهم اليوم أنه على هؤلاء الباحثين أن يعيدوا ما أخذوه. البلد غني بالباحثين لقد إنتقلنا من 16 ألف باحث في 1998 إلى 33 ألف اليوم  ويجب أن نستغلهم ونجندهم ونشركهم في إيجاد حلول لمشاكل البلاد و في نظري هذا شيء بسيط.

* يجرنا هذا إلى المشاكل المهنية والاجتماعية التي يشكو منها الباحث في البلاد و الوضع العام في البلاد والذي لا يشجع على الاستقرار في الجزائر؟

- بالنسبة لمركز تطوير التكنولوجيات المتقدمة، محيط البحث عندنا أفضل بكثير من المراكز في العالم، لدينا محيط بحث ومخابر وتجهيزات ووسائل اتصال متقدمة، تمكن باحثينا من الاستفادة من قواعد ومعطيات عالمية

وبشهادة بعض الباحثين الذين درسوا بالخارج، وهناك مجهود مبذول والمشكل تقدمتم به ويرتبط بالمشاكل الاجتماعية المهنية، ومن المهم أن نعالج هذا الموضوع وتسويته نهائيا لأنه لن يكلف الكثير ولن يؤثر على التوازن المالي للبلاد، وهذا في حد ذاته استثمار. ونقترح تحديد راتب معين بالإضافة إلى تعويضات غير ثابتة بحسب الإنتاج العلمي الإبتكاري. يعني أن هناك آليات تحفيزية وصارمة في نفس الوقت، لأن الباحث إذا لم يكن تحت الضغط يمكن أن يتحول إلى موظف بسيط. بإمكان الباحث أن يصل إلى ابتكار منتوج تكنولوجي تخلق على أساسه مؤسسة صغيرة أو متوسطة و التخفيف من الإستيراد، علينا أن نكف عن استيراد أفكار الآخرين، علينا في الحقيقة أن نخجل من استهلاك مبتكرات الآخرين، ما الفرق بيننا وبينهم ؟ ببساطة هم يفكرون و يحولون أفكارهم إلى منتجات ولكن لديهم محيط محفّز ومشجع للبحث.

* بودي أن أعود إلى النشاط الميداني للمركز، ما هي أهم الإنجازات للمركز، وهل هناك تعاون مع القطاع الخاص في هذا المجال؟

- المركز عمل مع العديد من المؤسسات سواء الخاصة أو العمومية ولدينا، مثلا، اتفاقيات مع ''أش ، بي  تكنولوجي'' وهي شركة تستعمل التكنولوجيات العالية  والمتخصصة في صناعة البطاقات مزودة بشرائح و تستثمر في الميدان وهذا نادر في بلادنا، ولديها عقد مع اتصالات الجزائر لتزويدها ببطاقات السحب بالإضافة إلى عملنا مع عدة هيئات مصرفية، ولكن المهم بالنسبة لمسؤولي هذه الشركة هو كل ما يتعلق بجوازات السفر، بالإضافة إلى ذلك تهتم الشركة بتأمين المعلومات والتشفير ويجمعنا بها اتفاقية حول مشروع مشترك ويعمل المركز في إطار عقود مع شركات أخرى في مجال تطوير تقنيات الصوت عبر الأنترنيت، منها شركة خاصة تدعى ''سعادة نت'' وكان لدينا عقود أخرى مع شركات أخرى، ومن بين المنتجات المهمة للمركز في ميدان الإتصال المتعدد الوسائط ''الملتيميديا'' والمشروع يتمثل في  الطب المصور ''télé médecine'' وقد أنهينا المرحلة النموذجية أو الأساسية وأنجزنا القواعد التقنية للقيام بالكشوف الطبية عن بعد.

* هذا المشروع بالذات يهدف على حد علمنا إلى تطوير الطب من جهة وفك العزلة عن المناطق خاصة الجنوبية منها والتي تفتقر إلى الأخصائيين، هل من تفاصيل حول هذا المشروع؟

- شرعنا في المشروع سنة 1996 ولم تكن الأنترنيت متوفرة بعد، واستعملنا خطوطا هاتفية بتدفق ضعيف بقدرة 9600 بايت وأنجزنا قاعدة بين ورفلة

ومستشفى بئر طرارية للكشف عن بعد على أطفال بفضل المختصين بهذا المستشفى، وعليه فالتشخيص يتم عن بعد مرتين في الأسبوع، ويقدم المرضى للكشف عن طريق الحاسوب بمجموعة من الوصلات والربط يتم عن طريق القمر الصناعي التي تجمع المختصين من الجانبين، بالإضافة على إرسال الملفات الطبية عن طريق نفس التقنية. والجانب الثاني كل ما يتعلق بسرية المعلومات الموجودة في الملف المضمونة من طرف المشروع، يعني إذا ما تعرض الملف للقرصنة لا يمكن معرفة صاحبه، والشق الثالث يسمح النظام بمشاركة أطباء  من ورقلة  في الملتقيات المنظمة أسبوعيا، وهذا يمكن من رفع العزلة عن هؤلاء الأطباء. وبالتالي هذا النظام إيجابي بالنسبة للمرضى ومن تنقله إلى مستشفيات نائية وبصفة تلقائية، خاصة مع ظروف النقل الشاقة، كما يسمح من جهة أخرى للطبيب من الخروج من عزلته. وكل العمليات التي قمنا بها أثبتت أنها عملية وغير مكلفة ولها أثر اجتماعي رائع.

* ماذا عن دعم الدولة، هل يملك مشروعكم الدعم الكافي؟

- المشروع من تمويل الدولة ولكن المطلوب الآن هو تعميم هذه التقنية، لأنها تقدم حلولا حقيقية للعديد من المشاكل في قطاع الصحة خاصة في الجنوب، نلاحظ أنه لدينا مستشفيات في الجنوب وفي الهضاب العليا مجهزة، ولكن تفتقر إلى الأخصائيين، أما بخصوص الجراحة هناك فريق طوّر تقنية المساعدة والمرافقة في عملية جراحية عن بعد، وقد سبق وأن تم استعمالها بين أطباء من ورقلة وزملاء لهم بمستشفى بئر طرارية، إنها تقنية تستعملها دول قليلة في العالم ونحن نعمل في المشروع بالتعاون مع الخبرة الكندية، مع العلم أن هذا البلد يتميز بشساعة أراضيه وبالتالي فهم مهتمون بتطوير هذه التقنية، وقد تحصلنا على تمويل كامل للمشروع وتحصلنا من هذا البلد على مبلغ  240 ألف دولار، واتفقنا على تحويل بعض النتائج لهم، لأنهم بحاجة إليها  في دول أخرى، كما استعنا بخبراء من كندا وفرنسا.  

* في نظركم وبحكم عملكم في ميدان البحث، هل بمقدور الجزائر التضييق من الفجوة التي تفصلها عن الدول المتقدمة في ميدان التكنولوجيات الجديدة؟

- أنا أعتقد أنه في متناولنا وسائل ذلك، عندما قلت لك أن البلاد تتوفر على قدرات بشرية هامة والحاجات موجودة والوسائل المادية متوفرة ولكن يجب أن نفهم جيدا ماهية تكنولوجيا الإعلام ومجتمع المعلومات والاقتصاد القائم على المعرفة... هذه هي المسائل الجوهرية التي علينا طرحها.

* الحكومة تعتزم تشييد أقطاب تكنولوجية في مناطق مختلفة من الوطن، ما هي قيمة هذه المشاريع بالنسبة للباحثين ؟

- أنا أعتقد أنها مبادرة جيدة شرط أن نفهم شيئا، بناء هياكل لا يعني بناء أقطاب، القطب التكنولوجي يبدأ بنشاط. مثلا قطب سيدي عبد  الله في الجزائر، نتحدث عن هذا الموضوع بمصطلحات كثيرة ومتنوعة وكل هذا يندرج في نظري ويبقى من قبيل الموضة، وأنا آسف على هذا الوصف، أنا أفضل فريقا من الباحثين يعملون على هذه المشاريع الضخمة الخيالية، مثلا نريد خلق أقطاب تكنولوجية لتقنيات الاتصال، نحن ليس لدينا حتى مركز للاتصالات بل لدينا مركزا على الورق فقط ولا وجود له في الميدان، هذا غير معقول.

المشكل هو في تغيير السياسات والتسميات، مثلا في بداية التسعينيات كان من المفروض إنشاء مجمع للبحث في التكنولوجيات المتقدمة حول القطب النووي لدرارية وكذلك في بوغزول ولم يتحقق شيء، وهذا شيء سيئ  يجب أن يكون لدينا توجه ومنظور مستقبلي، لأن البحث العلمي مرتبط بالمدى البعيد وليس مجرد قرار بين ليلة وضحاها ليتم إنجاز هذا المشروع أو ذاك. 

                                                                   


 

مواضيع ذات صلة بالجامعة والبحث العلمي