إحياء ليلة المولد النبوي.. هل هو عـادة أم عبـادة؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في
كل عام من شهر ربيع الأول تزورنا مناسبة
عزيزة هي ذكرى ميلاد رسولنا ونبينا محمد
صلى الله عليه وسلم. وقد
انبرى خطباء الجمع للإشارة إلى هذه
المناسبة وكل واحد ذهب في شأنها مذهبا
مخالفا لغيره ونحن نريد في هذه الخلاصة
الكلام بما تيسر ونرجو أن نصيب الصواب
حتى نسلم من العتاب. فقبل
الخوض في حكم إحياء هذه الليلة وبيان
مضارها أحاول وصف واقعنا فيها حتى يتبين
حكمها لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره
وكلامي حول قصر غرداية والتشابه كثير بين
غيرها من القصور السبعة. تمهيدا
لليلة المولد يقوم بعض الناس في منازلهم
بقراءة المولودية التي تبين حياة الرسول
صلى الله عليه وسلم لأبي مسلم الرواحي
العماني أو غيره قبل ليلة المولد بليال
مع شيء من المديح وهو ما يسمى بالمعجزات
والطريقة معلومة وفي ليلة المولد يجتمع
الناس في المسجد العتيق بين المغرب
والعشاء لتلاوة ما تيسر من القرآن
والعادة في هذا الوقت تكرير سورة الإخلاص
مائة مرة, وبعد صلاة العشاء والعشاء
يجتمع العزابة وإروان وإمصوردان للسماع
إلى المعجزات وترديد هذا الكلام (عطر
اللهم قبره الكريم بعُرف شذي من صلاة
وتسليم) وبعد الانتهاء يلقي بعضهم درسا
للعموم ثم يستأنف إحياء الليلة بترديد
شعر المديح بطريقة قديمة إلى الأذان
الأول, وفي هذه الليلة تفرق الصدقات
المتنوعة في جميع المستويات وبعد الأذان
الأول يفتح مجلس التلاوة إلى التثويب
لصلاة الفجر. وبعد
صلاة الصبح وتلاوة السلام ينفض الناس إلى
منازلهم ويعودون في وقت صلاة الظهر
لتفريق القرآن وختمه إلى أذان العصر وبعد
العصر يجتمعون للختمة وتنتهي مناسبة
المولد, وبعد أسبوع يتجدد اللقاء لإحياء
ليلة السابع من الميلاد في مكان آخر على
حسب الاختيار وبعض الناس يقيم سهرات
لتلاوة المعجزات وترديد المديح بعد ليلة
المولد إلى ليلة السابع منه هذا بالنسبة
للمسجد العتيق وفروعه أما بالنسبة
للمساجد الأخرى فمثلا مساجد الإصلاح
فيقومون بإحياء المناسبة بين المغرب
والعشاء فقط. بطريقة
خاصة أما مساجد السنة والتبليغ فيرون
بدعية هذه المناسبة ويحكمون بعصيان من
يفعل ذلك لعدم ورود مثل ذلك في السنة
النبوية وكل ما مر من الوصف في نطاق
المساجد وأما خارجها فتجد الناس يتزاورن
في هذه الليلة ويكرمون بعضهم بعضا وكثير
من الشباب يمضي هذه الليلة في التسكع في
الطرقات وترويع الناس بالمفرقعات وقد
يلتقي أهل السوء بأهل السوء وأهل الحق
بأهل الحق ولكل وجهة هو موليها. وفي
صبيحة ليلة المولد تجد البلدة خاوية على
عروشها لأن معظم الناس يصبحون في عداد
الموتى الميتة الصغرى ولهذه الليلة طعم
خاص في جميع الجوانب لا يوجد في غيرها من
الليالي ولأجل ما ذكر من الحق والباطل
تعددت وجهات الخطباء في الحكم على هذه
الليلة فمن قائل يقول: كل
ما يفعل في هذه الليلة من أعمال شرعية أو
تقليدية بدعة لا أصل له في الشرع. وقائل
يقول: الحسن
في هذه الليلة حسن والقبيح قبيح ويحسن
استغلال الليلة للتعريف بشخصية الرسول
محمد صلى الله عليه وسلم. وقائل
يقول: إحياء
هذه الليلة له فضل عظيم عند الله, وهي
أفضل من ليلة القدر لأنها ذكرى ميلاد
رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم, ويحسن
فيها مظاهر الابتهاج مثل تشعيل الأضواء
واللباس الحسن والتوسيع على العيال
والأعمال بالنيات, ومستند هؤلاء ما ذكره
القطب رحمه الله في إطالة الأجور وإزالة
الفجور. هذه هي خلاصة القضية, وكلامنا عليها من وجوه: 1/
هل مثل هذه المناسبة من الدخيل في
الإسلام أو من الأصيل؟ 2/
وهل التحريم للشيء يقع على الأصل المبتدع
ولو كان حسنا أو يقع على ما تفرع منه من
قبح ؟ 3/
وهل إزالة المنكر تكون بالتدرج وتبرأ ذمة
الناهي من أول وهلة أو لابد من الإزالة
الكلية مهما كان المنكر؟ الجواب
عن الاستفسار الأول: مناسبة
إحياء ليلة المولد بالطريقة التي هي عليه
من الدخيل في الإسلام, وكان أول حدوثها في
المغرب العربي عن طريق أهل التصوف ونحن
نعلم ما لهؤلاء المتصوفة من مزايا يحمدون
عليها ومساوي يندى لها جبين الحياء خجلا
منها إحياء ليلة المولد, ومستندهم هو
الحديث البعيد كل البعد عن تعاليم القرآن
العظيم والحديث إذا خالف ما هو أقوى منه
بطل به الاحتجاج.. كانت البداية تعظيم
الرسول صلى الله عليه وسلم وصارت النهاية
إهانته في هذه الليلة لعدم وجود ضوابط
شرعية متينة لهذه المناسبة من كل جوانبها,
وخاصة من جانب مديحه بقصائد طوال يخرجونه
بها من نطاق البشرية والقرآن يقرر بأن
الرسول صلى الله عليه وسلم بشر يأكل
الطعام ويمشي في الأسواق ولا يعلم الغيب. الجواب
عن الاستفسار الثاني: مسألة
البدعة الحسنة والبدعة السيئة, مما اختلف
فيه علماء الحديث والأصول, فأهل الحديث
كثير منهم يرى بأن البدعة كلها ضلالة
تمسكا بظاهر الحديث, وأهل الأصول يرون
بأن المحرم منها البدعة السيئة لأن
الحديث المعمم لتضليل البدعة خصصه حديث
آخر يقر البدعة الحسنة ويقول بأجر من
سنها وهم يرون كذلك أن كل بدعة داخلة في
عموم نص شرعي جائزة, وكلهم يحرمون
الابتداع في العبادات كسن بعض الصلوات أو
الأدعية وغير ذلك وفعلها بنية تشريعها
وكلامهم ينصب على الوسائل والكيفيات
وهناك المصلحة المرسلة كذلك والمقام ليس
للتفصيل لتشعب الموضوع. فمحرم
البدعة أصلا يرى تأثيم من قام بإحياء
ليلة المولد ولا أجر له إطلاقا عندهم,
وفعل المحرم في هذه الليلة أدهى وأمر
لأنها نفسها بدعة وكل بدعة ضلالة وكل
ضلالة في النار, ويختلف هؤلاء أي أهل هذا
القول في ليلة المولد ويقولون بأن ليلة 12
من ربيع الثاني ليست ذكرى لميلاد الرسول
صلى الله عليه وسلم والخلاف محصور عندهم
من ليلة 9 إلى 12 من هذا الشهر. ومجيزو
البدعة الحسنة يرون جواز استغلال هذه
الليلة في التعريف بعظمة الرسول صلى الله
عليه وسلم وعظم رسالته ويقولون بثبات
الأصل, وهو جواز إقامة مناسبة المولد
وتحريم ما تفرع منها من منكرات في جميع
الجوانب. الجواب
عن الاستفسار الثالث: النهي
عن المنكر على قدر الطاقة ويجب فيه
التدرج حتى تحصل النتيجة ولا يمكن بحال
تحريم مباح لأنه تسبب مثلا في ظهور معاصي
لأن ذلك لا يجدي, فالمباح يبقى مباحا ولو
تغطى بمحرمات والحرام يبقى حراما ولو كان
ظاهره مباحا, فمن رأى منكرا في هذه الليلة
أو منكرات وجب عليه عقد العزم في قلبه على
النهي بالحكمة والموعظة الحسنة
والمبادرة إلى ذلك في الواقع قدر الطاقة
والتغيير على الله ومن هنا نرى أن
المنكرات التي تحدث ليلة المولد بالخصوص
لا تزول بزوال ليلة المولد أو بتحريم
إحياء المناسبة بالمشروع من العمل وإنما
تزول بالنهي عنها لأنها موجودة في سائر
الأيام وكانت ليلة المولد سببا لظهورها,
والعادات والتقاليد يحسن فيها التصحيح
لا الإزالة لأنها مما تأصل في النفوس
وألفه الناس وليس من السهل إزالتها,
فبالتصحيح وإيجاد البديل يترك الناس
تلقائيا العادات التي تؤدي إلى المكروه
أو الحرام وهذا عمل الرسول صلى الله عليه
وسلم فقد جاء لتصحيح العادات وإقامة
البديل لقومه حتى جعل منهم خير أمة أخرجت
للناس فتحت العالم ونشرت فيه الفضيلة
والخير. وخلاصة
القول : أبو
إسماعيل
|