فن صناعة الفتن وبؤر التوتر

" لوبيات الفساد " كيف تخطط... تموه.. تختفي.. ثم تستثمر(!)؟

كرونولوجيا أحداث بريان نموذجا

ما حدث في بريان شهر أفريل 2008 ليس وليد صدفة أو مجرد حادث عابر سببه " مفرقعة مولود" رمى بها شباب متهور في وجه امرأة .. فلو كان كذلك لا اعتقد أن الأمر يصل الى حد إشعال فتنة كادت أن تعصف بمدينة كاملة، كان يمكن أن يقتاد الشباب ويحاكمون باسم القانون أو يتدخل الكبار ويفعلون مثلما يحدث في أي شارع ومدينة يسكنها أبناء عمومة من عرش واحد.. لكن هناك من استغل الحادثة وجعل منها " حادثة المروحة " أو " ناقة الباسوس " التي أشعلت حربا بين أبناء العمومة لا علاقة لها بمقتل ناقة بل بانتقام امرأة عرفت كيف تشعل الفتنة... والباسوس في بريان ليست امرأة بل مجموعة اخطر فشلت مرات عديدة بإشعال بريان ونقلت قذارتها إلى غرداية والمنيعة ومتليلي في أحداث يتذكر الجميع لياليها البيضاء وشرب كل سكان ولاية غرداية مرارتها وبكت حينها عائلات بعد فوات الأوان حينما زج بخيرة أبنائها الى السجن ظلما وبهتانا دون أن يعرفوا سبب ذلك سوى أنهم كانوا ورقة متاجرة استعملتها مجموعة مصالح تتقن فن المتاجرة بالأبرياء بمظهر الدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته (!)

مقال نشر في الواحة العدد 225، يتاريخ: 13 جوان 2005

 

إذن القضية ابعد بكثير من هذا وأكبر من أن يستوعبها عامة سكان بريان فهي جزء من مؤامرة كبيرة وقذرة في أجندة لوبي خطير له تقنياته ومخططاته... يعرف كيف تؤكل الرقاب دون آن يحاسبه أحد أو يوجه له اتهام بمخالفة القانون والعرف والأخلاق لأنه يتقن مداعبة ومراوغة القانون ومخالفته ..يدرك تماما أن لا وجود لنص قانوني يجرم الفتنة ..رغم وجود نص يجرم التحريض لكن بالمقابل من يتجرأ على فتح تحقيق لكشف منابر التحريض السرية ؟ الجواب لا أحد .. لعدة أسباب سوف نطرحها لاحقا (!)... المهم نجحوا نسبيا في إشعال بريان ومحاولة تجذير روح العرقية والمذهبية التي لا أساس لها بدليل أن الكل متعايش منذ سنوات بهدوء، وكل هذا للتستر عن ملفات فساد كشفتها الواحة عديد المرات وحذرت من مغبة السكوت عنها، أو بهدف تصفيات سياسية، أو أشغال الرأي العام المحلي بفتنة ونزاعات في وقت ينشغل هؤلاء بتصليح ما تعطل من مصالحهم أو وضع الرتوشات الأخيرة لتغطيتها في أرشيف الفضائح المسكوت عنها..

والمدقق بين ما حدث في بريان شهر أفريل 2008 وفي غرداية شهر أفريل 2004، أي خلال كامل العهدة السابقة يدرك سر ما يجري في الخفاء..

من هنا البداية..

درع الحماية : نفوذ ..علاقات..رشاوي وفساد وتمهيد لبؤر توتر ؟

مرحلة تحول القانون من مكافحة الفساد الى "حامي الفساد "

صناع الفتن أخطر بكثير من صناع الموت وأشد فتكا (!) فقبل اليوم كان هدفهم الزج بالشباب إلى السجن وخلق الرعب والخوف للوصول الى مبتغاهم في نهب أموال الشعب وأرزاقه دون آن يتجرأ أحد لمواجهتهم أو الحديث عنهم كان هدفهم الأول غرس الخوف في نفوس المواطن... مهما كانت صفتك فأنت تعديت الخط الأحمر وعليك أن تدفع الثمن.. لا يهم أن تلفق ضدك قضية، فأنت في اجندة المغضوب عليهم، وفي أول فرصة ستزج السجن ويحقق معك بعد أي أحداث شغب أو فشل في الوصول إلى متهم حقيقي في قضية ما.. وقد حدث هذا بالفعل..

أما اليوم في زمن قانون مكافحة الفساد والرشوة وإصلاح العدالة وقوانينها.. المسألة صارت اكثر تطورا وعصرنة اقتداءا بمخططات أمريكا.. صار أفراد هذه المجموعات أكثر حذرا ودهاء وقذارة.. يبحثون عن بؤر التوتر ويصنعوها، ويعدون دراسات للبحث عن نقطة ضعف كل مدينة وولاية انطلاقا من العروشية أو العرقية أو المذهبية أو نزاع أراضي. المهم عندهم البحث عن كيفية إشعال الشرارة حينما يريدون ذلك، أي عندما ينتهون من مهمة اللعب بأموال الشعب ونهب الأرزاق ونشر ثقافة الظلم والحقرة والرشوة.. أو عندما يحسون أن الخطر محدق وهناك من بدأ يراقبهم ويكشفهم (!). وأحيانا تخدمهم الظروف في انطلاق شرارة حدث أو نزاع ويستغلونها لتحريفها وتضخيمها، وفي هذه الحالة لهم وسائلهم وتقنياتهم.

صناع الفتن لا خوف عليهم فالواقع والتجربة أثبتتا انهم يملكون النفوذ وربما يشاركهم هؤلاء في العملية ويقتسمون الغنائم مقابل السكوت والتستر بالنظر الى مراكزهم وسلطتهم ومعارفهم ..و من هنا يتحول القانون إلى " حامي الفساد " وتنقلب الموازين وهنا بالضبط يبدأ الخطر الفتاك وتكبر مساحة الحقرة والفساد والرشوة والاستغلال، لأن مجموعات الفساد والمصالح ارتدت الدرع الواقي من الحساب والمساءلة (!). ولن يحقق أحد أو يتجرأ أن يلجأ الى القانون الذي سيصبح ورقة رابحة بعد تهجين القائمين على تطبيقه.

 أما كيف يشتري هؤلاء ضمائر حماة المواطن ؟ فهذه تقنيات يجيدها هؤلاء باسم القانون وفي أجهزة المواطن، فلا مانع من أن تحرر مداولة لصالحهم أو تهدى أراضي لهم.. أو يسهل لهم ولأقربائهم إجراءات قروض وامتيازات وصفقات تقدر بالملايير (!) ناهيك أن سهرات المشوي وأخواته طريق خصب للوبيات الفساد من اجل التسلل لقلوب مسؤولي أجهزة الدولة (!) وتبدأ المناقصات والمزايدات وتبادل الضحايا والانتقامات" واحد بواحد " باسم القانون دائما ..فلا عين رأت ولا أذن سمعت.. لأن الكل سيصير في مطبخ واحد.

صناع الفتن والفساد لهم بالمقابل مؤيدين ومناصرين.. منهم من يقتات مما تبقى عندما يشبع أسياده.. ومنهم من يراقب في صمت، لهم أيضا رسلهم يتقنون إيصال رسائل الفتنة والنميمة وجلب أخبار الشارع وتكوين الرؤية لحماية لوبي الفساد وإعداد "السونداج"، ولهم أدوار في المرحلة الثانية عند ما تصطدم المصالح.. والمهم أن هذه المرحلة الأولى تحتاج الى فترة تحضير دقيقة وتخطيط مركز، وعادة ما تبدأ أياما بعد تنصيب المسؤولين المحليين، او بعد توافد مدراء الهيئات التنفيذية الجدد، على حسب مصالح كل لوبي ومناطق اختصاصاته وتخصصه ومدى مشاركة هؤلاء في اللعبة القذرة بارادتهم أو بتوريطهم في ملفات تصبح ورقة ضغط عليهم.

هذه المرحلة مرت بها بريان منذ سنوات فقد كانت مقصدا سهرات ليلية وأسبوعية.

بداية الفساد والانتقامات

و البحث عن شرارة تشعل لهيب عند اقتراب الخطر

لوبي الفساد في شريعته وقوانينه يعتمد على ابتزاز المواطن باسم القانون وباستعمال الإدارة، بعدما يحيط نفسه بالحماية والنفوذ، ليبدأ في تنفيذ كل مخططاته وقضاء مصالحه في صمت، وأحيانا علانية من اجل الانطلاق في مرحلته الثانية التي تبدا عند الانتهاء من استنزاف كل شيء أو نهاية عهدة مثل ما يحدث في المجالس المحلية، أو الإحساس بخطر يحدق به وهذا حال المجموعات ذات الامتداد الوطني التي لها أنصار ومعاونين في الولايات، على وجه الخصوص نقصد مافيا المخدرات والتهريب التي تجعل من بعض الولايات سوقا خصبة او مركز عبور لسمومها.

في هذه المرحلة هناك وسائل وتقنيات خطيرة يعتمدها هؤلاء بالنظر الى خصوصية كل مجموعة ومنطقة، ففي الغالب الاعم يعتمد هؤلاء على نقطة ضعف المنطقة والسكان التي اعدوا لها سابقا  ويبدءوا في اجتماعاتهم الدورية مع العناصر التي توفر لهم الحماية وخطط التمويه، ويناقشون جميع الملفات المتعلقة بالأشخاص او بملفات صفقات او قضية تشغل المنطقة من اجل إخفاء اثر فسادهم والإعداد لرسائل مشفرة ومغلوطة للرأي العام تمهيدا لانتفاضته على وجه الجهة التي حاولت تكسير مشروع اللوبي وتعطيل مصالحه، أما في حالة إن كان فرد هو الذي يحاول كشف المستور فان هذه المجموعة تعد العدة لمحاصرته وتوريطه في قضايا حتى إن كانت قديمة او ملفقة ولا أساس لها من الصحة .

و في الحالة الأولى أي وجود جهة أو هيئة قوية تقف في وجه اللوبي فإن النتيجة أقسى واعم، ولابد في قانون صناع بؤر التوتر من إيجاد خطة محبكة للإيقاع بمسؤول هذه الهيئة، وفي العادة يتم البحث عن سبب مهما كان صغيرا محاولة منها لتضخيمه وتمرير رسائل خطيرة من اجل تأجيج الصراع، ومن هنا يكلف كل عضو بالبحث عن أي سبب يمكن أن يكون مناسبا لتنفيذ المخطط وبالموازاة تخطط هذه المجموعات من اجل صناعة هذا الحادث ،غير أن الصدفة أحيانا تخدمهم عندما تقع أحداث أو مواجهات او غضب مجموعة من الشباب في منطقتهم .لذلك فإن أعضاءها يبقون في حالة يقظة تامة لاستغلال كل شرارة محاولة منهم للتدخل وغرس رسائلهم المشفرة وأبعاد المواطن عن الهدف الرئيسي من الاحتجاج لذلك عادة ما نسمع عن احتجاجات ترفع مطالب تبدو عادية ومنطقية سريعا ما تتحول الى مطالب سياسية ترفع فيها شعارات بعيدة كل البعد عن السبب المباشر والمطالب المصاحبة لبدايته.

وتختلف في هذه المرحلة الصفة التي يظهر بها لوبي الفساد على حسب اهتمامات كل مجموعة ووسائلها في كسبها غير المشروع وفي الغالب الأعم تلعب دور المدافع عن كرامة الخلق والمواطن وتوظيف السياسة والسياسيين والأحزاب للمتاجرة بورقة الضحايا، وأحيانا عندما يفتضح هؤلاء يلتزمون الصمت . وتركز هذه المجموعات عادة لاستغلال الحادث وتضخيمه بتوظيف أوراقها وسمومها المتمثلة بتحريك نقطة الضعف التي تميز خصوصية المنطقة التي عادة ما تكون ورقة الطائفية أو العرقية أو المذهبية والعروشية التي تعتبر الورقة الأسرع لإشعال الفتنة وتأجيج أي حادث.

يحدث هذا كله في وقت تعرف المجموعة في هذه المرحلة أوج نشاطها وتكاتفها لاستغلال الحادثة وأحيانا كثيرة بالتفاوض مع بعض المجموعات الأخرى التي يمكن أن تستفيد من الصراع المحتمل، وتبدأ مرحلة المقايضات معها ..مجموعة تؤجج وتمرر رسائلها لتأجيج وتضخيم الحدث وأخرى تظهر في الصورة للمتاجرة بالنتائج التي عادة ما تخدمها وتعطيها صفة المفاوض الأقوى والمتحدث الرسمي باسم سكان المنطقة أو الفئة ،..المهم أن الكل سيستفيد من تأجيج الصراع كل حسب طريقته ومهامه لكن الضحية الوحيدة هو المواطن الذي يدخل في متاهات تجعله لا يستطيع التحكم في الوضع.بعد خروجه من دارئة الاهتمام وتحوله الى ورقة رابحة في يد هذه المجموعات تعرف كيف تقود السفينة بدور البطل والراعي الرسمي لحقوق المواطن .

وأوضح مثال على هذه الحالة ما حدث في غرداية 2004 وانتفاضة شباب ورقلة، حين انطلقت الأحداث الأولى بإضراب للتجار بسبب نظام الفوترة ولم تمر على بداية الاحتجاجات 13 ساعة حتى دخلت أطراف أخري كان الخطر محدق بها بعد إعلان الوالي حربا على المخدرات، هذا اللوبي استغل الإضراب واقتحم اللعبة وتغيرت الشعارات من الفاتورة الى سقوط السلطة واشتعل الشارع حينها، ولعب اللوبي دوره في تمرير الرسائل المغلطة في وقت لم ينجح في إشعال المذهبية، وفي هذه الإحداث دخلت المفاوضات مع مجموعة أخرى لتبني القضية سياسيا للعب دور المفاوض البطل بعد اجتماعات ليلية ماراطونية اختلفت فيها المصالح وتوحد فيها الهدف من انتقام من الوالي الى متاجرة بالأبرياء سياسيا.

بعد سيادة الفساد على حساب القانون

سيناريو يحول اللوبيات الى ابطال وزعماء واعيان

من نتائج المخططات السابقة أن يدفع الأبرياء ثمن المؤامرات الدنيئة وتتحول المراكز القانونية للأشخاص، فالمجرم يصبح بطلا وربما قائدا لمبادرات تهدئة الأوضاع ورسول مفاوضات وجمع الشمل في الأصل هو من شتتها، ويصير الشاهد وصاحب الحق والأشخاص الذين سعوا الى الإصلاح بقدرة قادر متهمين ومجرمين بدل أن يستعان به لكشف المجرمين، وللوصول الى هذه المرحلة وسائل وتقنيات يستعملها هؤلاء نوجزها في نقاط أساسية :

أولها : تأجيج الصراع وغرس المذهبية أو الطائفية.

ثانيا : نشر إشاعات وتوجيهها حول المتسبب في الصراع وعادة ما تكون الفئة المراد الانتقام منها او التي رفضت مشاركتهم.

ثالثا: البحث وفبركة قضايا وقصص في حالة هدوء الأوضاع ولم تحقق هذه اللوبيات مآربها.

رابعا : السعي للانتقام من كل شخص يحاول تهدئة الأوضاع، وذلك بتوريطه باستعمال نفوذ أفراد اللوبي داخل الأجهزة الأمنية، إما بالاتفاق، او استغلال مكانتهم للتأثير على المحققين في حالة وجود مكانة ومصالح مع أفرادها.

خامسا : لعب دور الناطق الرسمي من طرف أشخاص يستعملهم اللوبي نظرا لمكانتهم في المدينة، أو تحويل القضية الى قضية رأي عام باستعمال وسائل إعلام سواء بمشاركتها أو بتكليف أشخاص لنسج قصص وتحويرها معلومات لسبق صحفي ودون أن تدري تدخل في تحريك الفتنة.

وأهم أسلحتهم ضرورة أن يزج بالأبرياء السجن لأنها أهم مقصد لهم لتحويل اهتمامات الرأي العام الى ظاهر القضية وتسارع أحداثها وتناسيهم الملفات الحقيقية خاصة أن هذه المرحلة يختلط فيها الحابل بالنابل، ويكون اهتمام المواطن البسيط الأمن والعافية لانشغاله بجراحاته التي تخلفها أحداث المؤامرة.. وعند وصول الأحداث لهذه الدرجة تنقلب كل الموازين وتفتح مساحة خصبة للمقايضات والرضوخ في غياب القانون، بسبب قدرة هؤلاء للتأثير على التحقيقات القضائية التي يتعرض القائمون عليها لضغوطات كبيرة نتيجة تأثرهم بالمناخ الخارجي للأحداث وتسارعها، لذلك تتحول مهمتهم من التعمق في الملفات الحقيقية الى مهمة تهدئة الأوضاع بأي طريقة، وهذا ما يفسر لجوء الأجهزة الأمنية الى حملة الاعتقالات العشوائية بعد كل أحداث، في حين يفترض أن تتم قانونا لحظة اندلاعها لتفادي أي ظلم.

أين بريان من هذا السيناريو ؟!

قد تتساءلون: أين تظهر هذه الصناعة في أحداث بريان الأخيرة؟.. والإجابة واضحة كنور الشمس منذ سنوات، وفي ملفات جريدة الواحة عن الفساد في بريان عشرات الأدلة والرجوع إليها بجدية كان كاف لفتح تحقيقات قضائية والاكتفاء بمحاكمة واحدة لهؤلاء لتفادي ما حدث في بريان من أحداث.. لكن للأسف كنا نفاجأ أن يتابع مدير الجريدة بسيل من القضايا وينعم هؤلاء بمناصبهم ومآدب المشوي الأسبوعية والكل يتفرج ويساهم في الفساد والخراب من حيث يدري ومن حيث لا يدري.

المهم أن بريان اشتعلت بذات سيناريو فن صناع الفتن بعدما فشلوا عديد المرات في إشعالها والاستثمار بأبريائها سياسيا واجتماعيا في حين تبكي العائلات فلذات كبدها والمرحلة الأولى كانت استغلال حادثة مفرقعة المولد النبوي كسبب مباشر لتأجيج الصراع، وحتى تكونوا في الصورة خطوة بخطوة عليكم تطبيق المخطط السابق على أحداث بريان.

خالد بشار وليد