محاكمة الموقوفين في أحداث بريان تتم وسط استنكار للفتنة

استفهامات حول توقيت وأسلوب عمليات التوقيف..

وغياب لأشخاص موقوفين لم يتم عرضهم على المحاكمة(!)  

 قضت محكمة بريان بأحكام تتراوح بين البراءة والحبس النافذ وغير النافذ في حق الموقوفين الـ( 23 ) في أحداث الفتنة الأخيرة التي عاشتها المدينة، وتزامنا مع جلسة المحاكمة حاصرت القوات الأمنية الشوارع المؤدية والمحيطة بمقر المحكمة. وقد عرفت المدينة هدوءا حذرا في انتظار الفصل في القضية، في وقت شهدت الجلسة إجماعا تاما على استنكار الأحداث وتحميل بعض وسائل الإعلام المروجة للفتنة مسؤولية ما وقع في المواجهات الثانية، وتساءلوا عن الجهات الخفية التي تغذي الأزمة وتروج أخبارا لا أساس لها من الصحة بهدف تحقيق مآربها، في حين طالبوا العدالة بضرورة مراعاة ظروف الأزمة والاسباب الحقيقية التي تقف وراءها.

 انطلاق المحاكمة يتزامن مع استفهامات وتساؤلات تصب مجملها في المتسبب الحقيقي وراء الاحداث وتاجيجها، امام عجز السلطات المحلية والامنية عن فتح تحقيق موسع لكشف الأطراف الحقيقية، ويظهر هذا جليا من خلال محاضر الضبطية والأسلوب الذي اعتمد في حملة الاعتقالات حيث عكس حالة تردد "القائمين على مراقبة الوضع" في اتخاذ قرار التدخل رغم مواجهات 19 مارس و02 أفريل، مما جعل الأمور تنفلت وتأخذ منحى آخر حيث نتظروا مرور حوالي 24 ساعة لبدء الحملة مما جعلها تأخذ طابع العشوائية بالنظر الى توقيت البدء فيها ساعات بعدما عرف الوضع هدوءا نسبيا مساء الجمعة الماضي، بالإضافة الى الأماكن المختلفة التي تم فيها توقيف الأفراد.

من جانب آخر، علمت الواحة أن وكيل الجمهورية يكون قد استمع عشية المحاكمة الى فئة أخرى من الأفراد كان من المفترض أن يكونوا ضمن المتهمينـ إلا ان عائلاتهم فوجئت بتوجيه تهمة أخرى لهم، وقد تم عرضهم في وقت متأخر على قاضي التحقيق دون الكشف عن التهمة الموجهة لهم والتي ترجح أن تكون جناية، من بينهم شاب ألقي عليه القبض الاثنين الماضي لأسباب تطرح ألغازا أخرى(!) 

المتهمون ينكرون التهم

ويجمعون على أن التوقيف لم يتزامن مع الأحداث

ركزت هيئة المحكمة في استجواب المتهمين على مكان تواجدهم أثناء التوقيف من طرف الضبطية، وعلاقتهم بالأحداث.. في حين أجمع المتهمون في أجوبتهم، بعد مواجهتهم بتصريحاتهم السابقة، تعرضهم للضغط من اجل الاعتراف بالقوة. إلى جانب هذا قال بعض المتهمين ان صفارات الإنذار لم يكن لها وجودا، وأن التوقيف تزامن مع هدوء في المنطقة ولا وجود لأي أحداث حينها، وفي هذا يقول المتهم ( أ.ن )عند استجوابه :

س: أين تم إلقاء القبض عليك ؟

- كنت اقف امام المنزل لاستقبال المعزين، فجثمان أخي كان سيصل من العاصمة.

س: كنت تلبس قناعاً ؟

- لست أنا..

النيابة : أمام منزلك وتحمل "تيربوليت" ومفرقعات، وأوقفوك أمام المقبرة..

- هذا غير صحيح

س: كانت بحوزتك كريات حديدية أيضا..

- لقد غيروا أقوالي

س : ماذا كنت تفعل أمام الدرك ؟

- كان عندي عزاء

س : كان شعرك طويل؟

- نعم أنا

س : لم تكن اذن في المقبرة ؟

- لا

أما المتهم (ص.م ) فقد نفى التهم الموجهة إليه، وقال :

س: اين كنت ؟

- كنت انتظر عائلة قادمة إلينا من الاغواط

س : أعوان الدرك طلبوا منكم الذهاب الى بيوتكم وحذروكم ؟

- لا

س : و"الشاش" الذي كنت تلبسه، هل هو لك؟

- كان لأحد المارين.. سقط منه فالتقطته

س : لماذا قدمت نفسك ياسم مزيف؟

- كنت خائفا، فنسيت اسمي..

على هذا النحو تم استجواب المتهمين مع التركيز على نقاط التواجد، وسماع التحذير الذي أنكره المتهمون جملة وتفصيلا. 

النيابة العامة تلتمس عامين حبسا نافذة وغرامة 5000 دينار

وتتساءل: من الرابـح في هذه الأحداث ؟

 

قال النائب العالم: نتأسف على الأحداث وما نتج عنها من رعب وسط السكان.. وللأسف نجد أن هؤلاء الشباب الذين تم إيداعهم وتقديمهم أمام محكمة الجنح يتراوح سنهم من 18 الى 35 سنة، وأغلبهم طلبة لهم مستوى عالي يتورطون في مثل هذه الأعمال.. من هو الرابح ؟.. للأسف، نصطدم أن لا رابح، وليس هناك أي شخص استفاد من الأحداث التي لم ينتج عنها إلا الخسارة وحرمان المنطقة من الاستثمار والمجهودات التي تبذلها الدولة في هذه المنطقة.. هذه الأعمال غريبة عن وطننا، فبالأمس كان هنا مجاهدين لتحرير المنطقة، ونصطدم اليوم بأعمال الشغب وتخريب وحرق وحالة من البلبلة.

المتهمون اليوم أشخاص تم اعذارهم من طرف الضبطية، ووضع مكبر الصوت لهذا، ووضع كافة الأعوان لتحذير وتهدئة المواطنين، إلا ان البعض لم يستجيب وتم القبض عليه.

كل الجرائم المذكورة في الملف ثابتة في حق المتهمين، ونلتمس عامين حبس نافذة و5000 دينار غرامة ومصادرة جميع الوسائل من الأسلحة البيضاء.

هيئة الدفاع تجمع على وجود أطراف لم تشملها التحقيقات والمحاكمة

وتستغرب أسلوب حملة الاعتقــالات وتوقيته

هيئة الدفاع عن الموقوفين اتفقت وركزت في مرافعاتها على عدم قيام أركان الجرائم المتابع بها موكليهم، مركزة على عدم احترام الضبطية القضائية للإجراءات القانونية باعتبار ان جريمة التجمهر تشترط تحديد وسائل التنبيه والجهة المصدرة ضمن المحاضر وفي تقريرها الإخباري، كما أجمعت هيئة الدفاع على استنكارها لوسائل الإعلام التي قامت بنشر أكاذيب الغرض منها إشعال الفتنة، وتساءل أعضاء هيئة الدفاع عن الجهة التي سربت هذه الإشاعات لإدخال المدينة في أزمة يلام فيها الضحايا ويرتاح فيها الفاعلون الأصليون.

و لم تخف هيئة الدفاع عن وجود عناصر محركة ومحرضة تم تجاهلها وسط الأحداث، كما استغربت عدم اتخاذ قرار التدخل والبدء في عملية الاعتقالات الا بعد مرور ساعات، في وقت غابت هذه الاعتقالات لحظة تخريب الممتلكات في المواجهات الأولى.. وفي هذا السياق عرض كل أستاذ حالة موكله وطريقة القبض عليه، واعتبرها غير منطقية ولا تستند إلى القانون ولا تعبر عن الجرائم المتابعين بها.

 من جهته الأستاذ همكة قال: " هناك الكثير من الأسئلة تطرح في هذه القضية.. لماذا لا تتظافر الجهود لنعرف من أيقظ الفتنة؟.. فهناك أناس تعمل في الخفاء هي وراء إعطاء معلومات مغلوطة للصحف، يجب ان نعرف من المتسبب؟". الاستاذ أشار الى نقطة في غاية الاهمية عندما تساءل " لماذا لم

الأستاذ دادي عدون : نحن نحاكم الضحايا في وقت يهنأ الفاعلون الأصليون

" ربي وكيل وسائل الإعلام" التي نشرت الأكاذيب وأججت الفتنة

تأسف الأستاذ دادي عدون للأحداث وتضامن مع أسف النيابة العامة، وأضاف: ان بريان كان يضرب بها المثل في التعايش، هناك عين أصابت المدينة الهادئة ليصيبها فجاة ما أصابها، لن ننسى 19 مارس، 02 افريل ويوم 04 أفريل الذي ألقي القبض فيه على المتهمين... الموقوفين اليوم متهمون في نظر القانون، لكن اذا تعمقنا في الجرح، فهم ضحايا للفاعلين الأصليين الذين قاموا بإشعال نار الفتنة وهم ضحايا هؤلاء الذين ينامون في بيوتهم هانئين، وتأتى النيابة اليوم لتطالب بعامين حبس، وللأسف هناك إشاعات بعض وسائل الإعلام أججت هذه النار في بريان أقول لهم" نوكل عليكم ربي فيما كتبتموه "... ان هؤلاء ليسوا من صنعوا الحدث لكن الحدث هو الذي صنعهم، والاضطرابات هي التي صنعت هذا اليوم وليسوا هم من صنعوا الاضطرابات. وحقيقة تدخلت الضبطية لكن...

كهيئة دفاع ننظر الى الملف الذي يوجه تهم التخريب وعرقلة المرور وتهمة أساسية فيه هي التجمهر، وبالعودة الى قانون العقوبات فإننا حتى نكون أمام تجمهر أو في تجمع غير قانوني يجب توفر شروط، حتى نطبق نص المادة 97، هذه الشروط اريد تطبيقها فيما ذكرته الضبطية القضائية في محاضرها ونلاحظ في الديباجة عبارة "بعد توجيه تنبيهات "، أما الشرط القانوني هو قيام الوالي أو رئيس الدائرة أو البلدية بتوجيه التنبيهات وذلك بعدما يعلم بوجوده، لكننا لم نجد من قام بالإنذار، هذا الشرط الأول.

أما ثانيا فهؤلاء الشباب قبض عليهم في مختلف الأحياء، ولكننا لا نجد في الملف إن كانت الشروط طبقت في كل حي، أي التنبيه والإنذار، هل استعمل؟ وكيف استعملت صفارات الإنذار بعبارات نارية او صفارات إنذار حتى نحقق جريمة التجمهر؟ ضف الى ذلك ينص القانون قبل التدخل يجب تكرار التنبيه.. آنذاك يكون هؤلاء مخالفين للقانون.

الشروط المذكورة لم تتحقق، ولم تحدد الجهة التي أصدرت التنبيه، أضف إلى ذلك هناك متهمين قبض عليهم بمفردهم ولم يكونوا في تجمع أصلا، وبالتالي هذه الجريمة غير قائمة لعدم توفر أركانها.

فيما يخص التخريب، فعلا هناك تخريب في محلات وسكنات، لكن هل هؤلاء من قاموا بالفعل والتخريب الذي حدث في 19 مارس و2 أفريل؟ فهؤلاء ألقي القبض عليهم بعد هذا التاريخ ولم نجد في تصريحات الشهود ما يفيد ان هناك من الموقوفين من قام او شوهد يفعل هذا.. نحن في حاجة إلى أدلة لأننا أمام محكمة دليل ".

في ذات السياق قال الأستاذ دادي محمد أن: "الفتنة اشد من القتل وهي نائمة ملعون من أيقظها.. فهذه الأحداث استغلها ضعفاء النفوس بهدف تحقيق مآربهم"، وأضاف الأستاذ دخيسة أن "الوصف الحقيقي لعمليات الاعتقالات هي عمليات شحن ومداهمة مثلما وردت في المحاضر، ولا تعني تجمهر كما ورد في التقرير الإخباري "، وعن التخريب تساءل الأستاذ عن المتضررين وقال: " لم أجد اليوم من تأسس وقال ان أملاكي قد خربت واتهم هؤلاء بذلك، فعلى أي أساس وجهت هذه التهمة، وان كانت أملاك عامة فلماذا لم يتأسس رئيس البلدية؟ ".

أحكام بين النافذ وغير النافذ والبراءة

قبل إعلان الأحكام عاشت المحكمة لحظات ترقب وحيرة، وأجمع كل المتتبعين على ضرورة مراعاة طابع الأحداث وأسلوب الإجراءات المتخذة، في وقت حكمت المحكمة بعد مداولتها على إدانة (2) متهمين بـ 3 اشهر نافذة و9 أشهر غير نافذة على التوالي، وعلى 8 متهمين بستة أشهر غير نافذة، في حين حكمت بالبراءة لصالح 13 آخرين.

ولا يزال التحقيق جاري مع مجموعة أخرى من المتهمين منهم من هو في حالة فرار.

متابعة : خالد بشار وليد

 


على هامش المحاكمة..

الواحة ترصد صفات مشتركة للموقوفين

أغلبهم تجمعه معطيات موحدة وظروف عائلية تتشابه وقت التوقيف

المتهمون الموقوفون في احداث بريان تجمعهم صفات مشتركة قد لا تكون من باب الصدفة، يعتقد ان لها تفسيرات اخرى تصب في صالح المتهمين. وقد حاولت الواحة رصد ظروف هؤلاء من خلال ما دار في الجلسة ومن محاضر الضبطية ودفاع المتهمين، انطلاقا من درجة القرابة ووصولا الى ظروف تواجدهم في أماكن التوقيف.

معظم المتهمين حسب تصريحاتهم ذوو مستوى ثقافي ودراسي محترم، ومنهم خريجو جامعات بدرجة المهندس، وهذا ما أشار له النائب العام، في حين تشترك ثلاثة حالات في درجة القرابة كونهم إخوة "اثنان من كل عائلة " أوقفوا أمام منازلهم. الحالة الأولى تتكون من اخوين (ق.م)و (ق.ص) تواجدهم خارج منزلهم لحظة اعتقالهم كان بسبب أختهم المريضة التي تعرضت الى الغاز المسيل للدموع لقربهم من المواجهات، حاولوا إخراجها لتفادي اختناقها وعند خروجهم القي عليهم القبض، أما الحالة الثانية للأخوين (ا.ن)و(ا.ح) كانوا ينتظرون جثمان أخيهم القادم من العاصمة ويحضرون للعزاء وتم توقيفهم امام المنزل، والحالة الثالثة (ب.م)و( ب.ب) قبض عليهما أمام أبيهما عندما سمعوا ضجيج الأحداث وخرجوا للاطمئنان..

 حالات مشتركة كثيرة لم تحضر الأحداث الأولى بحكم عملها خارج المدينة.. مثل أحد الموقوفين الذي كان مسافرا وحضر الى المدينة قبل عشر دقائق من توقيفه، وآخر كان ينتظر عائلة في طريقها الى بريان قادمة من الاغواط، واربعة حالات متشابهة أخرى في سبب تواجدها في مكان التوقيف بهدف إيصال عائلة أو التوجه لإحضارها الى المنزل. وثلاث حالات يتشابهون في الحالة الصحية أثناء التوقيف يعانون من مرض اللوزتين إضطرهم الى لبس الشاش، وثلاث متهمين يشتركون في كون منازلهم منعزلة، وفئات أخرى متشابهة مقسمة على حسب الأحياء التي تم توقيفهم فيها... صدف عرضناها على البعض من المتتبعين وفسروها لصالح المتهمين، خاصة المتشابهين في حالات التوقيف.

هذا وقد حدثت أثناء المحاكمة مشاهد شدت الانتباه، خاصة ملاحظة رئيسة الجلسة بعد الانتهاء من الاستجواب حين قالت: كل المتهمين نفوا مشاركتهم في الأحداث، فأين هم الذين شاركوا ؟!

سؤال في محله ماذا كانت تقصد منه القاضية؟ (!).. ومن المكلف بالإجابة عنه حضرة الرئيسة؟

هذا وقد هز الحاضرين مشهد أحد المتهمين لحظة مرافعة محاميه، عندما أشار أن موكله كان يريد بكاء أخيه الذي فقده وينتظر جموع المعزين، فوجد نفسه مقبوضا عليه!

رصدها خالد بشار وليد