فتنة النفوذ في زمن المصالحة

قضـــاة بالمصاهـــرة

 من جملة ما صرح به القاضي الأول في البلاد لدى افتتاحه الندوة الوطنية الأولى لإصلاح العدالة في تاريخ البلاد إذ قال " أكدت أكثر من مرة أن ما نتوخاه من إصلاح العدالة هو أعمق فيه مداه من استعراض عددي للأحكام القضائية والنصوص التشريعية , وأبلع مما يظهر من تعزيزات من حيث الوسائل المادية والبشرية والمالية.."

  أقول.. كم يؤلمني عندما يكون كلام القاضي الأول مجرد كلام للإستهلاك الإعلامي..بقدر ما هو برنامج عميق يحمل في طياته روح التغيير داعيا في كل مرة الجميع لتحقيق الطفرة المنشودة..

  وما أروع أن تكون "صحفيا" تعيش محافل هذه الكلمات الرائعة داخل بهو المحكمة العليا وقصر الأمم وفي آن الوقت تواجه أوجاع واقع المتقاضين وأنت في قفص الإتهام ننحسس عن قرب عما يصعب الإفصاح عنه من طرف المواطن الذي تحول إلى كائن خائف يعيش وسط إرهاب الإنتقام من طرف بعض القضاة وضغوطات النافذين.. تتفرج في حيل"تدوخ" ومناورات تجعل الإنسان حيران ودسائس لا تنتهي لتحقيق وتخييط أحكام ما أنزل الله بها من سلطان ما يزال قضاؤنا مع كل أٍسف يظهر وكأنه قضاء "المغفلين" فعلا رغم كل محاولات الإصلاح "الماكياجية" والخطب الصريحة وتربصات التكوين في الداخل والخارج لم يتفطن إليها وإلى حيل المتحايلين ودسائس المندسين وألغام المتخصصين في نصب الألغام والخلق يداس ويئن ويحرق..إلى حد القتل في زمن تفرعن النفوذ.

وما أروع أن تعيش أوجاع الحقيقة عن قرب وتعايش طرق وأساليب التعذيب وسياسة تغييب الحق والتحايل في أساليب قلب الأحكام حسبما يريده السادة النافذون والمرتشون ولوبيات المصالح ولأن المسألة مسألة انتقام من الصحفي الذي يفضح وجع الحقيقة المؤلمة التي ما يزال يئن منها كل متقاضي "غلبان" يقاسي من سطو النافذين والمتجبرين والموسخين.. على حد تعبير سعادة وزيرنا للعدل في آخر لقاء بالواحة عشية ورشات الندوة الوطنية لإصلاح ما لحق بجهاز القضاء من فساد, إذ صرح لنا سعادته وبصريح العبارة : " أنا مع حرية الصحافة التي تكشف عن المتسلطين والجبابرة والموسخين.." ولكن سعادته يجهل أنه رغم ألف دليل لا ينفع عندما يتعلق الأمر بلوبيات ونافذين يؤسسون لثقافة الإنتقام وبمحاصر صحفي بالسجن أو بالقتل عن طريق السكوت عن القتلة..

وسعادة رئيس المحكمة العليا كان واضحا وصريحا بل جريئا في نية تغيير هذا الواقع الفاسد الذي يئن في خضمه المتقاضي مما دفع بالدولة إلى الإسراع في تأسيس لأول تشريع في تاريخ الجزائر يضبط أخلاقيات عمل القضاء إذا من جملة ما قال في جلسة افتتاح السنة القضائية مطلع هذا الأسبوع : "

أن المادة 60 وما يليها من القانون الأساسي للقضاء عددت مجموعة من الأفعال المعتبرة أخطاء وحددت عقوبات تسلط على القاضي في حالة ارتكابها.

إن الوقت قد حان فعلا للتركيز على تذكير القاضي وتحسيسه دوما بالقيم وبالأخلاقيات التي تعين عليه التحلي بها طوال حياته المهنية ولا سيما بكل ما يتعلق بتحسين الوقاية وبحصر وبمعالجة جوانب الإخلال بالواجبات المهنية ومظاهر السلوك التي قد تؤدي إلى انزلاقات.."

وأضاف رئيس المحكمة العليا " على الجميع أن يعلم ويدرك بأن زمن الصمت على أخطاء القضاة قد ولى وانقضى.. ولم يعد هناك مجال للإبقاء على أسطورة القاضي الفالت من العقاب.."

وأضاف.."إن ثقافة السر والتستر منبوذة مطرودة اليوم في مجتمعنا.. وأن سلطة القضاء وثقة المتقاضين فيه قائمتان على شفافية الدعوى التأديبية من حيث الإجراءات والإجتهاد القضائي بحيث يكون في مقدور كل مواطنة ومواطن التثبت فعلا من معاقبة الأخطاء المرتكبة من طرف القاضي.

واختتم السيد بوطارن قائلا.." ولا ينبغي أن يكتسي هذا الميثاق طابع نص عقابي ردعي بقدرما يهدف إلى كونه نص متشبع بمبادئ واضحة تترجم ثقافة قناعة القاضي بثقل المسؤولية وبنبل الرسالة.."

هذه اللغة التي ظهر بها رئيس المحكمة العليا ولأول مرة في تاريخ القضاء الجزائري دليل بأن بعض الإنحرافات التي تواجه المواطن هي عامل قوي لقلق الرئيس ومعاناة المواطن الغلبان الذي فقد الأمل في التغيير بولاياتنا الداخلية خاصة أي في المناطق المحاكم التي توصف بالجزائر العميقة.

ولكن هل المواطن يعلم الإجراءات الواجب تتبعها بحكمة وتبصر بدون تهور لتقديم الشكوى من هؤلاء المنحرفين داخل أجهزة القضاء.. ؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي وجب الإجابة عليه عمليا..

وقبل كل هذا وذاك متى نحول التصريحات الجميلة لبعض مسؤولينا أمام المحكمة العليا إلى التزام عملي على أرض الواقع من طرف مسؤولينا وقضاتنا المحليين..؟

الجميع يتذكر عندما قام ممثل النيابة باستدعائنا لسماعنا في قضية شكوى رئيس دائرة بريان, بعد أن سكت على شكاوى المآت من المواطنين, بل من قلق عام كاد أن يهز المدينة بأسرها لما تشاهده يوميا من فساد.. هذا المسؤول كاد أن ينفجر بسببه الشارع لولا مقال الواحة الذي كشف عن عمق الحقائق المسكوت عنها وأبعد الفتنة عن المدينة.. وفي مكتبه ظهر سعادة ممثل النيابة وكأنه قد فصل بالحكم مسبقا علينا وعزم على إيداعنا السجن مباشرة بالتصريح "اليوم جاء يومك..", وهو يحمل السماعة ويكلم المؤسسة وكان يعتقد أننا مراهقين يريد بذلك تخويفنا, بل وعندما سألني أول سؤال عن التهمة الموجهة إلينا وحاولنا فتح المحفظة لتقديم بعض أدلتنا منعنا من فتح المحفظة, أي نعم.. منعنا من فتح المحفظة ما دام الحكم جاهزا, وقال وبلهحة المتوعد: "لا داعي لفتح المحفظة اليوم يومك".. وبدأ يتهجم علينا.. أما لماذا؟ العلم عند الله..

والأمر له علاقة بقانون المصاهرة.. ربما لأن الأوامر صدرت من جهة نافذة, أو من زوجة إبنة سعادة مسؤوله المباشر وكيل الجمهورية.. باعتبار إبنة سعادة وكيل الجمهورية المساعد زوجة ممثل النيابة المساعد.. فطلب منا الإنتظار في مكتب مجاور, وكنت حينها وأمام هذا الموقف الصادر من المجلس العائلي الضيق مضطرا للجوء إلى سعادة النائب العام مباشرة لشرح الموقف والإحتجاج عن التشكيلة القضائية التي ترغب تصفية حساباتها معنا, طبقا للقانون العائلي وليس لقانون الدولة وفعلا السيد النائب العام قدم له إنذارا شديد اللهجة عما بدى من هذا المسؤول ومن مواقفه المسبقة أزاء المتقاضين قبل أن يسمع المتقاضي وهذا كما أشار مخالف للقانون وللإخلاقيات بل ولا يعبر أصلا عن مبدأ الحياد..

  السيد النائب العام السابق بعد التقرير الذي رفعناه إليه أزاء هذا التصرف يتم تحويل زوج بنت سعادة وكيل الجمهورية بعد أيام من منصب وكيل جمهورية بالنيابة إلى منصب قاضي في محكمة أخرى في حين تم تحويل والد البنت من وكيل جمهورية إلى منصب مستشار بالمجلس ليتصدى شخصيا لقضيانا على مستوى المجلس وفعلا التخطيط كان رائعا وبفنيات عالية للإشارة هنا بعد تقديمنا لقاضي التحقيق كان الأمر مغايرا تماما وهناك فرق بين من يريد سماع أوجاع الحقيقة بكل حياد ومن يريد الانتقام من الحقيقة واتخاذ موقف مسبق منك أما لماذا..؟ فالجميع يعلم فنون قانون النفوذ..وعلاقات المصاهرة والقرابة العائلية التي تطحن الخلق بجنون في مطحن النافذين ويقال لنا بأننا بصدد إرساء دعائم دولة القانون..

يوم المحاكمة تم التفاهم مع محامي الخصم اللجوء إلى صيغة التأجيلات حتى يتم الحكم يوم فرصة غيابنا وفعلا لم نحضر إحدى المحاكمات نتيجة التزامنا بحضور حاكمة المتهمين في الأحداث الأخير المفتعلة التي هزت المدينة فصدر الحكم غيابيا وفي المجلس هذه المرة وكيل الجمهورية الذي حول فيما بعد كمستشار والد زوجة ممثل النيابة الذي عزم على إيداعنا السجن قبل سماعنا يضغط بدى جليا على هيئة المحكمة لكي تصدر حكما انتقاميا ولأول مرة في حياتنا بست أشهر حبس نافذ..

  ما دمت صحفي تكشف عن أوجاع ملفات الفساد فأنت عدو.. وعدو لدود وجب سجنك أو قتلك بل وتحريض القتلة عليك بالسكوت عنهم وفعل المستحيل لحمايتهم عن طريق مضايقتك بجلسات التأجيل والتحايل وليس هذا فحسب بل قد يتقرر نفيك حتى تغادر هذا الوطن إلى مؤسسة إعلامية خارجية تعمل بها ضد وطنك وبالعملة الصعبة..

  ومن هنا تبدأ شرارة كل الفتن.. أي تبدأ من مظالم أروقة القضاء والقضاة المتصاهرين..

فالقضية يا سادة إما تتطلب تحقيقا عاجلا لما يعانيه المتقاضي في محاكم جزائرنا العميقة من غرائب وطرائف بفعل أفعال "القضاة المتصاهرين" وعلاقاتهم العشقية بالنافذين لوقف نزيف فقدان مناعة ثقة المواطن في أجهزة قضائه رغم نزاهة الكثيرين لتهيئة الجو في كل مرة للانفجار الذي يخدم النافذين وأصحاب الملفات الفاسدة التي عجز قضاؤنا على فتحها.

إما أن يصدر سعادة النائب العام قرارا عاجلا بسجني "أفضل"من بقائي في هذا السجن الكبير بعد أن عجز أو تظاهر بالعجز على التحقيق في شكاوي محاولات قتلي ولأن العيش وسط هذا الهواء الملوث بدخان فظائع حرق الأجساد وهم أحياء أصبح فعلا لا يطاق ولعلي أنقذ نفسي من ظاهرة القتل بالحرق التي تقوم بها العصابات المدعمة من النافذين بعد فشل محاولات القتل والاختطاف لأضاف إلى قافلة عشرات الصحفيين مثلي من الذين سقطوا بفعل مناورات المافيا ومادام القتلة أصبحوا تحت الحماية خارج السجون والأبرياء داخلها يقهرون..

أقول هذا لأن وأن اسمي ورد ضمن قائمة الذين توعدتهم مافيا الفساد والنفوذ بالتصفية الصائفة الماضية وهي قائمة أكيد أنها من صنع أجهزة أمنية منحرفة تعمل لصالح الجهات النافذة التي لا تتوقف من خلخلة الاستقرار مرة بملفات العار ومرة بمافيا العقار الذي تحول أبطالها بقدرة قانون النفوذ إلى أصدقاء حميميين لبعض إطاراتنا داخل جهاز القضاء لحماية نفسها من أي محاولة تحقيق أو الكشف عما في ثنايا الملفات من فضائح مسكوت عنها.

ختاما أقول لا أدري كما لا يدري الكثيرون مثلي لماذا كلام الرئيس أضحى مجرد كلام للخطب.. والإستهلاك الإعلامي ؟ في حين ممارسات من يعين بمرسوم رآسي على أرض الواقع هي أفعال تدل وكأن البعض عازم على أن يتمرد على ما يريد الرئيس تحقيقه من إصلاح عاجل يريح المواطن ويحفظ كرامته أولا وأخيرا.

ولهذا بعد تفجير آخر ألغام حاسي بحبح التزاما باتفاقات أوتاوا لتفجير الألغام ندعو رئيسنا أن يتولى شخصيا بتفجير الألغام التي تحملها ملفات بعض النافذين داخل الأجهزة الرسمية في جزائرنا العميقة والتي تفجر الشارع في كل مرة ولكن هذه المرة بمحضر ضحايا هذه الألغام وما أكثرهم.

ح. داوود نجار