|
|
من
المكتبة العالمية: ذهنية
استخدام العواطف الشعبية تأليف
:ارنستو لاكلو
ارنستو
لاكلو، هو أستاذ النظرية السياسية في
جامعة «ايسيكس» ببريطانيا. وهو من أهم
المفكرين الأرجنتينيين المعاصرين. له
العديد من المؤلفات التي نال البعض منها
شهرة كبيرة مع مثل «تأملات جديدة حول
الثورة في عصرنا» و«صناعة الهويات
السياسية» و«أشكال من التحرر»، وخاصة: «الهيمنة
والاستراتيجية الاشتراكية: نحو سياسة
ديمقراطية راديكالية». الذهنية
المقصودة في هذا الكتاب «ذهنية استخدام
العواطف الشعبية» هي التي يتم وصفها عامة
بـ «الشعبوية». وكانت هذه الظاهرة، التي
تستخدم «عواطف الجماهير» لتحقيق مرامي
سياسية للحركات التي تتبنّاها كأحد
مرتكزات إيديولوجيتها. المثال
الصارخ على مثل هذه الحالة جسّده اليمين
المتطرف في النمسا وفرنسا وبولندا
وأغلبية البلدان الأوروبية وذلك تحت
تسميات مختلفة أخذت أحياناً صفة الوطنية
مثل حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسية
بزعامة جان ماري لوبن، وصولاً إلى ما
أطلق عليه الكثير من المحللين صفة «النازية
الجديدة». هذا المعنى الشائع بالمعنى
السلبي المطلق هو بالتحديد الذي يعارضه
المؤلف. إن
مؤلف هذا الكتاب الذي كان قد غادر بلاده،
الأرجنتين، في أواسط عقد السبعينات من
القرن الماضي، إلى بريطانيا، يعود
للحديث عن التجربة التي عاشها وعاشتها
الأرجنتين في ظل إحدى أعتى الدكتاتوريات
التي شهدتها أميركا اللاتينية، أثناء
الحكم العسكري بزعامة الجنرال «فيديلا». وكان
المؤلف آنذاك، كما يقول، عضواً في حزب
اشتراكي يساري كان يدعم آنذاك الخط «البيروني»
ـ نسبة إلى الزعيم الأرجنتيني بيرون.
ويخلص من تلك التجربة إلى القول أن «الشعبوية»
ليست بحد ذاتها، قيمة إيجابية، ولا قيمة
سلبية. المهم هو الكيفية التي يتم
توظيفها بها. «استخدام
العواطف الشعبية» أو «الشعبوية» تجد
مرجعيتها، كما يبدو من الأصل اللغوي، لدى
«الشعب» أو «الجماهير الشعبية». لكن رغم
هذا الاشتقاق الذي يميل بالضرورة في
القاموس السياسي إلى الديمقراطية، فإنه
ذو مدلول «سلبي» ومرتبط إلى حد كبير
بمفهوم «الديماغوجية»، ذلك أنه يقوم على
أساس «استغلال» العواطف الشعبية لغايات
«فئوية» ضيقة، وبعيداً عن أخذ أية نزعة
إنسانية بعين الاعتبار. المثال
الذي يتم الحديث عنه طويلاً في هذا
السياق هو جان ماري لوبن، زعيم اليمين
المتطرف الفرنسي، الذي أظهر براعة كبيرة
في «اللعب» على العواطف الشعبية لتحقيق
انتصارات انتخابية. وكان
لوبن قد وصل في الانتخابات الرئاسية
الفرنسية لعام 2002 إلى الدورة الانتخابية
الثانية ـ النهائية ـ بعد أن أخرج من
السباق الرئاسي المرشح الاشتراكي آنذاك
ليونيل جوسبان. وكان «لوبن» قد لعب على
العواطف الشعبية في مسألتين أساسيتين
هما الأمن والبطالة. وكلاهما حمّل
مسؤوليتهما للعمال المهاجرين، دون أن
يأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي قدم فيه
هؤلاء المهاجرون إلى فرنسا. لكن
«لوبن» لم يكن سوى النسخة الحديثة لشخصية
شعبوية فرنسا عاشت في القرن التاسع عشر،
يعيدها المؤلف إلى الذاكرة، وهي شخصية
الجنرال «بولانجيه» الذي كان قد عرف كيف
يلعب على عواطف الجماهير المستاءة من
الأوضاع التي كانت سائدة في ظل الجمهورية
الفرنسية الثالثة. وكاد بولانجيه أن
يُسقط تلك الجمهورية. لكنه
رفض «الزحف» على قصر الاليزيه بعد
انتصاره الانتخابي في باريس عام 1889. اضطر
للهرب إلى بلجيكا حيث انتحر. مؤلف هذا
الكتاب «يشذ» عن القاعدة العامة التي
تنظر إلى ما يسمى بـ «الشعبوية» على أنها
ظاهرة سلبية، ويربط الحكم عليها حسب
النتائج التي تؤدي إليها. من
هنا جاءت لديه فكرة أنها ليست «سلبية»
وليست «إيجابية» بالتعريف. وهذا ما يحاول
التدليل عليه عبر دراسته للتجارب «الشعبوية»
الأميركية والكندية والأرجنتينية
والتركية والفرنسية. الخطوة الأولى التي
يقوم بها «لاكلو» هي محاولة تعريف، أو
ربما بالأصح، توضيح المفهوم نفسه. هذا
قبل أن يقوم بتحليل الخلفيات التي أقام
عليها ناقدو المفهوم أحكامهم السلبية
حوله. ومن خلال عملية استقراء واسعة
للأدبيات المتعلقة بهذا الموضوع يتوصل
المؤلف إلى نتيجة مفادها أن الرؤية
السلبية لـ «الشعبوية»، أن تخبئ في
الواقع رؤية «سلبية» هي الأخرى لمفهوم
الشعب نفسه، واعتباره بشكل عام غير قادر
على إصدار أحكام ناضجة حول مختلف القضايا
التي يواجهها. الجماهير
الشعبية يتم تشبيهها في هذا السياق بكائن
تنقصه كثيراً القدرة على القيام
بمحاكمات عقلية موضوعية وغير محكومة
بمتطلبات «اللحظة» التي تمليها الغرائز.
هذا فضلاً عن أنها خاضعة «باستمرار أيضاً»
للرضوخ إلى مختلف المؤثرات الخارجية
التي يمكنها أن توجه الجماهير حيث تريد.
باختصار تقوم بعملية «تلاعب» مغلّفة
برداء «الإرادة الشعبية». ويرى
المؤلف في هذا السياق أن الأدبيات
الكبيرة التي اهتمت بحركة الجماهير
وآليات توجيهها منذ «جمهورية» أفلاطون
الشهيرة وحتى الكتاب الشهير الذي يحمل
عنوان «بسيكولوجية الجماهير» الصادر عام
1895 لمؤلفه غوستاف لوبون، تؤكد الأطروحة
القائلة ان «الجماهير»، وفيما هو أبعد
منها «الشعب»، لا تملك درجة «النضج»
الكافية. هناك
استثناءان يؤكد عليهما المؤلف في هذا
السياق ويخصان عالمان نفسانيان شهيران
هما «سيغموند فرويد» في كتابه الذي يحمل
عنوان: «البسيكولوجية الجماعية وتحليل
الأنا» الصادر عام 1921، والعالم الآخر هو
«تلميذه» جاك لاكان في «كتاباته». كذلك
يؤكد المؤلف في هذا الإطار على أطروحات
الفيلسوف الإيطالي الماركسي الشهير
انطونيو غرامشي، صاحب نظرية «المثقف
العضوي»، بمعنى ذلك المرتبط «عضوياً»
بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها. ويرى
غرامشي ان النضال السياسي، على عكس ما
يؤكد عليه الماركسيون التقليديون، لا
يرتبط فقط بالعلاقات الإنتاجية، وإنما
يرتبط أيضاً بدرجة التطور التي بلغها
أولئك الذين «يصنعون الوعي» لدى
الجماهير. وعلى عكس الأفكار السائدة التي
تربط بين «الشعبوية» وبين استغلال
الجماهير واللعب على مشاعرها لتحقيق
غايات خاصة، انتخابية بالدرجة الأولى. يرى
مؤلف هذا الكتاب أن مثل هذه النزعة التي
تجد مرجعيتها، في نهاية المطاف، لدى
الشعب ليست بالتعريف ذات هوية يمينية أو
«مشكوك بها»، وإنما هي بالأحرى تعبير عن
«آلية» لها مكانها في جميع اللحظات
السياسية الكبرى في حياة مختلف الأمم،
والمجتمعات، كما يستقرئ المؤلف من دروس
التاريخ. ولا
يتردد المؤلف في القول ان هذه الآليات
تلعب دوراً كبيراً، وأحياناً حاسماً، في
فترات التحوّل الكبرى التي تمرّ بها
المجتمعات الإنسانية. إنها فترات
الانتقال من حالة «إفلاس» النظام القائم
وعدم قدرته على الاستجابة لمتطلبات
المرحلة وعدم الإجابة عن الأسئلة
الجديدة المطروحة عليه. كما
يمكن لدور هذه الآليات أن يكون فاعلاً في
حالة بروز الشروخ الاجتماعية الكبيرة في
المجتمع بحيث تكون اللحمة الاجتماعية
مهددة بالتحطم بسبب سياسات تقوم على عدم
التكافؤ، أو على منح امتيازات كبيرة
لشرائح قليلة من المجتمع على حساب
المجموع. وهكذا
لا تبدو «الشعبوية» على أنها مجرد «أداة»
بيد هذه الفئة أو تلك من أجل خدمة أغراض
سياسية ذات إيديولوجية محددة مسبقاً على
أنها يمينية، وإنما يمكنها أن تظهر في
لحظة ما من حياة المجتمعات كـ «فعل مؤسس»
و«جوهري» في العمل السياسي كله. وهي
بهذا المعنى تساهم في «بناء الشعب»، حسب
تعبير المؤلف، على خلفية حالة من
الاستياء العام حيال السياسات الجارية
أو على خلفية التهديد من حالة فوضى تلوح
في الأفق. وهنا يكون الدور الذي تلعبه «الشعبوية»
إيجابياً وليس سلبياً. ولا
يكتفي مؤلف هذا الكتاب بنقد النظريات
الشائعة و«السيادة» حيال «ذهنية استخدام
العواطف الشعبية»، أو «الشعبوية»، ولكنه
يذهب إلى حد التأكيد، ضمن المعنى الذي
يحدده لها، إنها «السياسة الديمقراطية
الحقيقية الوحيدة» التي تقوم على أساس
معارضة سلطة، أو «حزب سياسي»، تقوم
إيديولوجيتهما على أساس امتلاكهما لـ «الحقائق»
النهائية في السياسة. وبالتالي
امتلاك «مفاتيح المستقبل» هذا دون
اهتمام حقيقي بالإرادة الشعبية، ثم إن
هذه الإرادة تجد «تمثيلها» لدى السلطة
المعنية أو الحزب السياسي المعني اللذين
يتحدثان بـ «اسم الشعب». في
المحصلة يمكن القول ان هذا الكتاب هو نوع
من إعادة النظر بالمفاهيم الماركسية
التي فشلت على حيّز التطبيق بالطريقة
التي تمّت بها في بلدان المعسكر
الاشتراكي السابق وبالتحديد إعادة نظر «ديمقراطية»
بالماركسية ـ اللينينية التي ولدت عبر
مقولة «الحزب القائد» للجماهير الأجواء
التي سمحت بقيام الستالينية. وحديث أيضاً
في مفاهيم السلطة والديمقراطية ومعنى
السياسة اليوم. *الكتاب:
ذهنية استخدام العواطف الشعبية *الناشر:
فيرسو ـ لندن 2007 *الصفحات
:288 صفحة من القطع المتوسط
|