|
|
من
المكتبة العالمية العولمة
والخليج لـ "جون فوكس"
حرر
هذا الكتاب «العولمة والخليج» جون فوكس
أستاذ الأنثروبولوجيا في الجامعة
الأميركية بالشارقة، وندى مرتضى صباح
أستاذ العلوم السياسية المشارك ورئيس
قسم الدراسات الدولية بالجامعة نفسها،
ومحمد المطوع أستاذ علم الاجتماع
المشارك بجامعة الإمارات العربية
المتحدة. يتناول
الكتاب الكيفية التي تتشكل من خلالها صيغ
التفاعل بين العولمة والتكوينات
التقليدية في دول الخليج الست. فالكتاب
عبر أجزائه الأربعة يحاول أن يصل لأشكال
التفاعل المختلفة بين سياق العولمة
الواسع والشامل، وبين السياقات المحلية
والوطنية والإقليمية المحدودة. يتناول
الجزء الأول الكيفية التي اشتبكت بها
منطقة الخليج مع السياق العالمي الواسع،
ويتناول الجزء الثاني مفاهيم وتاريخ
وديناميات ونتائج العولمة، ثم يتناول
الجزءان الثالث والرابع العولمة في
العالم العربي بشكلٍ عام، ثم في منطقة
الخليج على وجه الخصوص. فالكتاب في
النهاية ينطلق من العام إلى الخاص، من
الوحدات الكبرى إلى الوحدات الصغرى، ومن
العولمي إلى المحلي، ولا يهمل في الوقت
نفسه تلك العلاقات المعقدة والمتشابكة
بين تلك الوحدات التحليلية السابقة. فالكتاب
جمع بين تخصصات أكاديمية مختلفة اشتملت
على السياسات الدولية، وتاريخ الشرق
الأوسط، والاقتصاد، والأنثروبولوجيا،
والاجتماع، والثقافة. وتجمع هذه
التخصصات في مجملها بين الوحدات
التحليلية الصغرى والكبرى على السواء،
مما يضيف أبعادًا مختلفة وعميقة بخصوص
فهم ظاهرة العولمة وتجلياتها العديدة
على مختلف مناطق العالم بإجمال، وعلى
منطقة الخليج على وجه الخصوص. كما
ساعد اختلاف التوجهات الأيديولوجية
والانتماءات الفكرية للمشاركين في
الكتاب على تعميق مستوى التناول لظاهرة
العولمة وتأثيراتها على المنطقتين
العربية والخليجية. كل دراسات الكتاب قد
انطلقت من رؤى نقدية للعولمة، سواء من
قبل الكتاب الغربيين أو من قبل الكتاب
العرب. فالجميع انطلقوا من تصور مسبق
يرتكز على أهمية ظاهرة العولمة وعدم
رفضها، وإحساس عميق بخطورة الظاهرة
وشمولها لكل أركان العالم. لذلك
كانت أهداف الدراسات التي تناولت
الظاهرة وتأثيراتها وآلياتها تتمثل في
البحث عن البدائل الجديدة التي تؤمن
للظاهرة جوانبها الإيجابية، وتقلل من
جوانبها السلبية. واللافت للنظر هنا أن
أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، مثلت في
الكثير من الدراسات نقطة انطلاق مهمة
كشفت عن مخاطر العولمة وتأثيراتها
السلبية في ضوء الهيمنة الأميركية، وما
تحاول فرضه على العالم أجمع، بوصفه
نموذجاً وحيداً للعولمة يجب احتذاؤه
وتقليده والتشبه به. إن
أهمية أحداث سبتمبر تنبع من كونها قد
أبرزت الوجه القبيح الخاص بالهيمنة
الأميركية واحدية الجانب والنظرة للعالم.
فانبعاث المقولات الخاصة بنحن وهم،
ومحور الشر، أبرزت مدى قبح العولمة على
الطريقة الأميركية، ومدى التبسيط الشديد
في التعامل مع العالم المحيط. من هنا،
وكما يرى «ستيف سميث» فإنه
من الضروري العمل على خلق رؤى ونظريات
سياسية جديدة تحاول أن تفهم الظاهرة في
تشابكاتها المعقدة بعيداً عن مثل هذه
المقولات التبسيطية التي تحاول أميركا
فرضها على العالم. ولا تنبع أهمية خلق
نظريات سياسية عالمية جديدة من خلال
مُناوشة النظريات السياسية القديمة
ومجادلتها، بل ومواجهتها، ولكن أيضاً من
خلال مساءلة القوى الكونية الفاعلة
وتحديها. فالمسألة
لم تعد الآن رهنا فقط بوضع نظريات قادرة
على الفهم والتفسير للعالم المعاصر، رغم
أهمية ذلك، بقدر ما أصبحت رهناً بوضع
نظريات يمكنها طرح بدائل مغايرة للواقع
الكوني المعاصر. إضافة إلى ذلك، فأهمية
النظريات الجديدة تنبع من خلال قدرتها
على مواجهة القوى الكونية المتحكمة في
مسارات العولمة المختلفة، والمهيمنة على
صناعة القرارات العالمية، بما يحقق
مصالحها فقط، بغض النظر عن تلك التأثيرات
السلبية التي تضر بالعديد من المجتمعات
الإنسانية، وتتعارض مع مصالحها. وكما
تمنحنا الرؤى السياسية الجديدة بدائل
جديدة للتعامل مع الكون، تمنحنا القراءة
الواعية لتاريخ العولمة منذ القرن
التاسع عشر قدرات أوسع وأكثر رحابة على
فهم الجوانب المختلفة الخاصة بها، كما
يؤكد روجر أوين. فالقراءة النقدية لتاريخ
التحولات منذ القرن التاسع عشر، وبشكلٍ
خاص صعود القوى الاستعمارية في العالم
تمنحنا قدرات أعمق لفهم العولمة والقوى
التاريخية المرتبطة بها. فالعولمة
ليست ظاهرة معاصرة ترتبط فقط بالربع
الأخير من القرن الماضي، لكنها ظاهرة
موجودة في عصور كثيرة، ويمكن تتبعها
بشكلٍ كبير ومتعمق منذ بدايات التوسع
الاستعماري الغربي منذ منتصف القرن
التاسع عشر وحتى الآن. وكما
حاول سميث وأوين طرح رؤى وبدائل جديدة
للعولمة، أو حتى الحض على طرح رؤى وبدائل
جديدة مغايرة من المنظورين السياسي
والتاريخي، أكد «تيم نيبلوك» أيضاً على
ضرورة طرح تصورات اقتصادية جديدة، من
موقع مخالفة النظرية الاقتصادية
النيوكلاسيكية، ومواجهة هيمنة
النيوليبرالية الأميركية المعاصرة. إن
مواجهة العولمة وتحدي القوى القائمة
عليها، يستدعي مواجهة النظريات الداعمة
لها، وبشكلٍ خاص في تجلياتها
الاقتصادية، وعلى رأسها النظرية
النيوليبرالية التي تدعمها الولايات
المتحدة الأميركية والمؤسسات الدولية
التابعة لها مثل صندوق النقد الدولي،
والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.
وهو
الأمر الذي يستدعي العمل من أجل تطوير
أطر اقتصادية جديدة وفاعلة تتجاوز
محدودية التصور النيوليبرالي.وفي هذا
السياق، يؤكد إسماعيل سراج الدين على
مساوئ العولمة وتأثيراتها السلبية،
ويدعو إلى عولمة أكثر إنسانية تراعي
المساواة والعدل بين أرجاء العالم
المختلفة، حيث يقترح تحقيق تنمية
مستدامة تقلل من مساوئ العولمة
الاقتصادية، وتأثيراتها السلبية على
الدول الأقل نمواً. إن
نجاح هذه التوجهات والبدائل السابقة لن
يتم إلا من خلال الإصرار والدعم
السياسيين الدوليين. كما أن نجاح هذه
التوجهات والبدائل يرتبط أيضاً، وبنفس
الدرجة، بما يُطلق عليه نيبلوك الحراك
السياسي الدولي والمحلي. فكون العولمة
ظاهرة كونية، حتى ولو بدت آلياتها مرتبطة
بقوى عظمى متحكمة ومهيمنة، يفرض على كل
المشاركين في الأسرة الدولية الإسهام في
تغييرها، وتوجيهها الوُجهة الصحيحة
لصالح الجنس البشري بعامة. لا
تنفصل هذه الدعوات السابقة، الهادفة إلى
تصحيح مسيرة العولمة وتغيير وإحلال
آلياتها، عن تلك التي دعا إليها كل من
خلدون النقيب ود. جابر عصفور وميشيل
هدسون بخصوص واقع العولمة في العالم
العربي. فالعولمة قد خلقت أجواءً سلبية
يمكن أن نلاحظها، وإن بنسب مختلفة في كل
أرجاء المعمورة. وربما
يرجع ذلك للتفرد الأميركي بما يمكننا أن
نطلق عليه هنا أمركة العالم، وما يرتبط
بذلك من محاولات أميركية عنيفة ولا
إنسانية ومبتذلة من أجل فرض الثقافة
الأميركية على كل بقاع الأرض، بغض النظر
عن طبيعة الثقافات المحلية التي تكنسها
وتزيلها الثقافة الأميركية الاستهلاكية
المهيمنة. إن
المسألة المهمة الخاصة بالعولمة في
العالم العربي تتعلق بالمقدرة على خلق
النموذج العربي الذي يتعامل مع مجريات
العولمة بندية وبتفاعل بناء. فتدعيم
الهوية العربية لن يتم إلا من خلال
الحفاظ على التفاعل الوطني والدولي ضمن
منظومة كونية تضم الاثنين معاً على حد
قول عصفور. كما
أن التحولات الديمقراطية ترتبط بطبيعة
القوى الاجتماعية الوطنية التي تقود
التغيير والإصلاح السياسي، في ضوء
الواقع المحلي، وليس في ضوء تمثل ومحاكاة
النموذج الغربي للديمقراطية كما يوضح
النقيب. وفي كلمة، فإن التفاعل العربي مع
العولمة، يكتسب أهميته وقدراته من خلال
مواجهة نموذج العولمة الأميركي ، كما
يطرح هدسون. إن
هذه المواجهة للنموذج الأميركي للعولمة
تظل هي الجانب غير المعلن في الجزء
الأخير من الكتاب، والخاص بالعولمة في
الخليج. فرغم العديد من الدراسات التي
تناولت العولمة في الخليج من خلال الجانب
الاقتصادي، والجانب السياسي، وازدهار
المدن الحضرية البترولية الحديثة، ودور
العمالة الوافدة، والإحياء الثقافي، فإن
غياب جانب المواجهة، والحديث عن عولمة
الخليج بتلك الطريقة الوصفية، قد حرم
الكتاب من فهم آليات التغلغل الأميركي في
المنطقة، وتأثيراته المختلفة عليها. إن
الفكرة المسبقة التي ارتكز عليها الكتاب
بخصوص عولمة منطقة الخليج انطلقت من وجود
تعارض بين آليات العولمة المتقدمة
والمتطورة، وبين البنيات الخليجية
التقليدية، وهى فكرة تتبنى، بدرجة أو
بأخرى، النمط الغربي للتحديث بوصفه
النموذج الأمثل للتغيير. لذلك بدا النمط
القبلي تقليديا ومتعارضاً في قيمه
وتوجهاته مع نموذج القيم الغربية. من هنا
تتطور المجتمعات الخليجية، من وجهة نظر
الكتاب، اقتصاديا وتكنولوجيا دون أن
تتأثر بنية القيم التقليدية الخاصة بها. وهى
فكرة خاطئة إلى حد بعيد يبدو معها
الإنسان الخليجي كما لو كان يتعامل مع
التكنولوجيا بشكلٍ محايد تماماً دون أن
يتأثر بها، ودون أن تنعكس على مجريات
حياته اليومية. إن الفصل الحاد بين
الجانب الاقتصادي وبين الجوانب الثقافية
والفكرية والأيديولوجية قد صور
المجتمعات الخليجية وكأنها منشطرة نفسيا
بشكلٍ كبير؛ شطرٌ يوجه نظره نحو الحاضر
والمستقبل، ويتعامل مع المستورد المادي
بسهولة ويسر، وشطرٌ يوجه نظره نحو الماضي
والقبيلة والزواج القرابي. تبقى
أخيراً مجموعة من الجوانب المهمة التي
تناولها الكتاب، يأتي في مقدمتها
الكيفية التي يتم من خلالها التحول نحو
الليبرالية الاقتصادية بعد ما قدمته
الدولة الخليجية لمواطنيها طوال ما يزيد
على ثلاثة عقود من الزمان. فالآن تأتي
العولمة مُحملة بوصفات البنك الدولي
وصندوق النقد الدولي، داعية للتحول نحو
القطاع الخاص، ورفع يد الدولة عن كثير
مما كانت تقدمه لمواطنيها. فهل
ينفع هذا النموذج خليجيا؟ وهل تنتهي مهمة
الدولة الخليجية الآن، لتسمح بدور كبير
وطاغ ومهيمن للقطاع الخاص؟ وهل هناك قطاع
خاص خليجي حقيقي يستطيع أن يحمل مشاعل
التغيير والتطور والنمو؟ أسئلة على درجة
كبيرة من الأهمية والخطورة، ربما تشكل
طبيعة المرحلة المقبلة خليجيا، وقدرة
دول الخليج الست على مواجهة آليات
العولمة المختلفة في المنطقة. د.
صالح سليمان عبد العظيم *الكتاب:العولمة
والخليج *الناشر:
دار روتلدج ـ لندن 2006 *الصفحات:298صفحة
من القطع المتوسط
|