|
|
من
المكتبة العالمية: العنف السياسـي والصراعات في إفريقيا تأليف
:محمد تيتيمادي بنغورة
مؤلف
هذا الكتاب هو الباحث محمد تيتيمادي
بنغورة من أصل غيني (من غانا) وكان قد تخرج
كدكتور في العلوم السياسية من جامعة
السوربون. وهو يشتغل في مركز أبحاث فرنسي
يدعى: المرصد السياسي والإستراتيجي
لأفريقيا. وقد نشر حتى الآن العديد من
الأبحاث عن أسباب العنف السياسي والحروب
الأهلية في أفريقيا. وهذا الكتاب هو
عبارة عن أطروحته لدكتوراه الدولة التي
ناقشها في السوربون مؤخرا. وهي
تشكل أكبر دراسة معمقة عن تشاد ومآسيها
وسبب استمرارية الحرب الأهلية وعدم
الاستقرار فيها. وفي ذات الوقت يقدم
المؤلف لمحة تاريخية عامة عن هذا البلد
وجغرافيته وتركيبته العرقية أو القبلية
وأهم الأحداث السياسية التي مر بها طيلة
العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة. وهو
يقول بما معناه: إن تشاد هي بلد من بلدان
أفريقيا الوسطى، وتحدها ليبيا شمالا،
والنيجر غربا وكذلك نيجيريا، والكاميرون
جنوبا بالإضافة إلى جمهورية أفريقيا
الوسطى، والسودان شرقا. ومن الناحية
الجغرافية والثقافية نلاحظ أن تشاد تشكل
جسرا بين أفريقيا الشمالية وأفريقيا
السوداء، ولذلك فهو بلد عربي في بعض
مكوناته وأفريقي محض في مكوناته الأخرى. وينبغي
العلم بأن هذا البلد في حدوده الحالية هو
عبارة عن صنيعة الاستعمار الأوروبي.
فحدوده ومساحته وجغرافيته هي نتيجة
المفاوضات التي جرت بين القوى العظمى
آنذاك: أي فرنسا، وانجلترا، وألمانيا
وذلك حوالي عام 1880، أي في أواخر القرن
التاسع عشر. ولكن
الفضاء التشادي يمتلك تاريخا غنيا
بالآثار فالعلماء يعتبرونه مهد البشرية
لأنهم اكتشفوا فيه أول ظهور للإنسان على
سطح الأرض. هذا وقد أصبحت تشاد محمية
فرنسية بدءًا من عام 1900 ثم تحولت إلى
مستعمرة بدءًا من عام 1920. وفي ظل حكومة
فيلكس إيبوي كانت تشاد أول دولة تلتحق
بفرنسا الحرة عام 1940 بقيادة الجنرال
ديغول. ثم
أصبحت تشاد جمهورية مستقلة ذاتيا عاما 1958
ودولة مستقلة بالكامل عام 1960 وذلك في ظل
رئاسة فرانسوا تومبالباي. ولكن هذا
الأخير فوجئ بتمرد سكان الشمال عليه
ومعظمهم من المسلمين. وهذا ما دفعه إلى
الاستنجاد بفرنسا التي أرسلت له قواتها
عام 1968. ثم
يضيف المؤلف قائلا: وبعد اغتيال
تومبالباي عام 1975 استلم الحكم الجنرال
فيلكس مالوم الذي اضطر بدوره للتخلي عن
الحكم لصالح القائد الشمالي غوكوني
عويدي وذلك بعد معركة نجامينا الشهيرة
عام 1979. وفي عام 1980 استطاع غوكوني عويدي
أن ينتصر على منافسه حسين حبري بعد معركة
ثانية طاحنة جرت في نجامينا، ولكنه لم
ينتصر إلا بمساعدة حاسمة من القوات
الليبية. ثم
جرت محاولة للاتحاد مع ليبيا عام 1981،
ولكنها لم تدم طويلا. فاضطرت القوات
الليبية إلى الانسحاب بعد عقد اتفاق مع
الحكومة الفرنسية. وفي عام 1982 دارت
الدوائر على غوكوني عويدي عندما قام عدوه
حسين حبري بتنظيم انقلاب عسكري ضده ونجح
في مغامرته. وهكذا سيطر الرجل القوي
الجديد على مقدرات نجامينا و تشاد. ولكنه
اضطر في العام التالي إلى الاستنجاد
بالقوات الفرنسية من أجل مواجهة الغزو
الليبي القادم من الشمال. وفي
عام 1987 قامت القوات التشادية بهجوم مضاد
على القوات الليبية ونجحت في طردها من
البلاد ما عدا الشريط الحدودي المتمثل من
إقليم اوزو. فهناك بقيت القوات الليبية
حتى عام 1994 عندما قبلت أخيرا بإعادته إلى
تشاد. ثم يقول المؤلف: هكذا
نلاحظ أن كل تاريخ تشاد الحديث انقلابات
وانقلابات مضادة، ولم يعرف هذا البلد
الاستقرار الحقيقي حتى الآن. وقد عانى
الشعب تشادي الأمرين من هذه التقلبات
السياسية والاضطرابات الداخلية والحروب
والمجاعات. ولم
تنته الأمور عند هذا الحد. ففي عام 1990 نظم
إدريس ديبي انقلابا على حسين حبري وطرده
من نجامينا وسيطر على مقدرات البلاد ولا
يزال. والغريب العجيب في الأمر هو أن
إدريس ديبي يحظى بدعم ليبيا وفرنسا على
حد سواء. فقد اضطر إلى مواجهة عدة حركات
تمرد مدعومة من قبل السودان المجاور وذات
علاقة بمشاكل دارفور ومآسيها. من
الناحية الجغرافية والطبيعية نجد أن
تشاد بلد شاسع جدا، إذ تبلغ مساحته حوالي
المليون وثلاثمئة ألف كيلومتر مربع. أما
عدد السكان فقليل ولا يتجاوز العشرة
ملايين على أكثر تقدير، والسبب هو أن
معظم مناطقه صحراء قاحلة وبخاصة في
الشمال على الحدود الليبية. وحده الجنوب
يحظى ببعض الأمطار وبالتالي فهو خصب إلى
حد ما وقابل للزراعة. ولذلك توجد هناك
العاصمة نجامينا. وأما
من الناحية العرقية فيمكن القول بأن
العرب المسلمين يشكلون حوالي 15% من عدد
السكان. وهم يتموضعون في ثلاث مناطق
أساسية: الأولى في الشمال القريب من
ليبيا، والثانية في الوسط، والثالثة في
الجنوب الشرقي. ومن الناحية اللغوية
نلاحظ أن اللغات الرسمية للبلاد هي
التالية: الفرنسية، والعربية، والتشادية.
ولكن هناك أكثر من مئة لغة مستخدمة عبر
البلاد، وهي لغات أو لهجات أفريقية في
معظمها. وأما
من الناحية الاقتصادية فيمكن القول إن
تشاد بلد فقير جدا ولا يمتلك يدا عاملة
ذات كفاءات وثلاثة أرباع سكانه يعيشون في
البوادي أو الأرياف. ومتوسط العمر هناك
لا يتجاوز 48 سنة. فالناس يموتون مبكرين
بسبب الفقر والجوع وانعدام المشافي
والوسائل الصحية والعلاج. والزراعة
وتربية الحيوانات الداجنة هما وسيلتا
الرزق الوحيدة هناك. ولكن
مؤخرا اكتشفوا البترول هناك بكميات لا
بأس بها. وكان ذلك عام 2003. وابتدأوا
استغلاله فعلا عام 2004. وأصبح يؤمن للدولة
التشادية ما يعادل ملياري دولار سنويا.
ولكن هل يستفيد الشعب حقا من هذا
المدخول؟ أم أنه يذهب إلى جيوب المسؤولين
لما يحصل في بلدان العالم الثالث؟.
يتساءل المؤلف. في
الواقع أن البنك الدولي ضغط على الحكومة
التشادية مؤخرا وأجبرها على صرف 70% من
مدخولها من أجل تقليص الفقر في البلاد
ومحاربته. وبعد البترول هناك صادرات أخرى
كالقطن والسكر. ثم
يختتم المؤلف كلامه قائلا: والواقع أن
تشاد محكومة منذ سبعة عشر عاما بيد من
حديد من قبل الرئيس إدريس ديبي الذي لا
يستطيع أحد أن يتهمه بالديمقراطية. ولكن
هل يمكن للديمقراطية أن تترسخ في بلد
معرض للغزوات وأعمال التمرد باستمرار؟
من المعلوم أن السودان لها علاقات متوترة
مع تشاد لأسباب عديدة يصعب الدخول فيها
هنا. وكلها
لها علاقة بما يجري في إقليم دارفور. ولكن
الرئيس إدريس ديبي نفسه، كما يصفه
المؤلف، ميال إلى الحكم المطلق ولا يسمح
بأي معارضة شرعية لحكمه. كما أنه ينظم
الانتخابات النيابية والرئاسية من وقت
لآخر. ولكنها كلها انتخابات ليست شفافة
كثيرا بطبيعة الحال. نقول
ذلك على الرغم من أن الكثيرين يدافعون
عنه ويقولون إنه أمّن الاستقرار لتشاد
لأول مرة في تاريخها الحديث. فقبله كانت
تحصل الانقلابات كل سنتين أو سبع سنوات
على أكثر تقدير. وأما الآن فهو لا يزال في
الحكم منذ سبعة عشر عاما. والبعض
الآخر يقول إن الديكتاتور السابق حسين
حبري يتحمل مسؤولية كبيرة فيما يخص مآسي
تشاد. وقد ارتكب الكثير من الفظائع طيلة
حكمه البائس. ومعلوم أنه يعيش الآن كلاجئ
سياسي في السنغال والكثيرون يطالبون
بتقديمه إلى محكمة دولية لمعاقبته على
جرائمه الشنيعة التي ارتكبها أثناء حكمه
تشاد. التسعينات المنصرمة كانت قد شهدت
انهيار جدار برلين ونهاية الاستقطاب
الثنائي الدولي وأفق «نهاية العنف»، أي «نهاية
التاريخ الذي لم ينته مع ذلك في تشاد. *الكتاب:العنف
السياسي والصراعات في إفريقيا *الناشر:لارماتان
ـ باريس 2007 *الصفحات: 487 صفحة من القطع الكبير
|