اليوم العالمي لحرية الصحافة

يــــــوم لـه مغـــــزاه  

في ابريل‏2003‏ كان المصور نزيه دروازه يسجل بالكاميرا المواجهة غير المتوازنة في الاراضي المحتلة بين بعض الشباب والاطفال الفلسطينيين من حملة الحصي والحجارة من جانب وقوة اسرائيلية مزودة بالمدرعات الثقيلة والاسلحة المتطورة واجهزة الرؤية الليلية من جانب اخر‏.‏

واثناء انهماك نزيه في عمله رصدته عين جندي اسرائيلي كان يقف علي مسافة‏10‏ إلي‏20‏ مترا فقط‏,‏وعلي الرغم من ارتداء الصحفي للقميص الاصفر المخصص للاعلاميين ولتثبيته كل الشارات التي توضح عمله كصحفي علي هذا القميص فإن الجندي الاسرائيلي ـ الذي ادرك معني ما يقوم به الصحفي ودور الصحافة في كشف ما يرتكب ضد الفلسطينيين وما يمكن ان يحدثه ذلك من تداعيات لاسرائيل ـ اتخذ وضع التصويب وبطلقة واحدة اطلقها من بندقيته المتطورة قتل الصحفي نزيه بعد اصابته في الرأس‏!!‏ وكان التبرير الاسرائيلي ان الجندي كان يحمي الدبابة المدرعة بالواح من الفولاذ من الحصي والاحجار التي كان يلقيها الفلسطينيون‏!!!‏ وهكذا بذل الصحفي نزيه الروح والحياة من اجل دفع السلام العالمي خطوة للامام‏.‏ ولم يكن نزيه فقط هو من سلك طريق التضحية من اجل كشف الحقيقة ودفع مجتمعه والعالم خطوة للامام خلال العام المنصرم بل دفع كثيرون ذات الثمن من اجل الحقيقة‏.‏

 

يوم عالمي

وكانت منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للامم المتحدة يونسكو قد اتخذت قرارا بان يكون موضوع احتفالات العام الحالي باليوم العالمي لحرية الصحافة‏2004‏ هوالاعلام في مناطق الصراعات وفي الدول التي تمر بمرحلة تحولحيث يتم التركيز علي دور ما يقدمه الاعلام من معلومات مستقلة ومحايدة وجديرة بالثقة في الاسهام في عملية اعادة الإعمار والتسوية بين الاطراف المتصارعة‏.‏ وقد اوضح كويتشيرو ماتسورا مدير عام اليونسكو في بيانه بهذه المناسبة انه في وقت الفوضي وعدم التأكد تحتاج الجماهيرالي مصدر يقدم معلومات موثوق بها لانها في مثل تلك الظروف تكون كبيرة الاثر حيث تمتد اهميتها الي الحفاظ علي حياة الفرد‏.‏

وقد تم القاء الضوء علي الجوانب الايجابية للإعلام والصحافة المستقلة والمتعددة وما يمكن ان تقوم به من دور في كسر دائرة الكراهية والعنف بين الاطراف المتصارعة في النزاعات من خلال توفير منابر للحوار كبديل ايجابي عن اللجوء للسلاح‏,‏كما تم تسليط الضوء علي الجوانب الايجابية للدور الذي يمكن ان تقوم به الصحافة في مجال التنمية الاقتصادية‏.‏

واكد ماتسورا اهمية التركيز علي تبي طرق لترسيخ احترام الدول والحكومات في العالم لدور الاعلام والصحافة في بناء السلام المستديم والديمقراطية والتنمية‏,‏ مؤكدا اهمية بذل الجهود لتزويد الصحفيين بالمزيد من الحماية اثناء ممارستهم لعملهم والاحتفاء باهمية حرية الصحافة في كل المجتمعات خاصة تلك التي تتجه نحو تحقيق الاستقرار والسلام وتحسن الوضع الاقتصادي‏.‏

 

صحفي العام

واحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة عام‏2004,‏الذي يوافق يوم‏3‏ مايو‏,‏قررت منظمة اليونسكو ان تكرم الصحفي والشاعر راءول ريفيرو كاستانيدا ـ‏59‏ عاما ـ من كوبا بمنحه جائزة اليونسكو وجيليرمو كانوا العالمية لحرية الصحافةوالتي تقدر قيمتها المادية بـ‏25‏الف دولار‏.‏ وقد نال كاستانيدا هذه الجائزة تشجيعا له علي ما ابداه من تمسك والتزام بالتغطية الصحفية المستقلة علي الرغم من كل الصعوبات والمعوقات بل والعقوباتالتي تم انزالها به نتيجة التزامه بالاستقلالية وبحقه في حرية التعبير‏.‏ فقد تعرض الصحفي الكوبي للكثير من المضايقات والضغوط منذ تركه العمل في الصحافة الخاضعة لسيطرة الدولة في عام‏1988‏ واتجاهه للعمل كصحفي مستقل وفي مارس‏2003‏ تم القاء القبض عليه عدة مرات وتعرض لإجراءات تحد من حرية تنقله وفي ابريل‏2003‏ نال حكما بالسجن لمدة‏20‏ عاما كما حصل‏25‏ صحفيا من زملائه علي احكام بالسجن لمدد تراوحت بين‏14‏ و‏27‏ عاما بعد اتهامهم بمحاولة الاضرارباستقلال ووحدة كوبا‏.‏ وعلي الرغم من تسليط الضوء علي الصحفي الكوبي فانه كان اسعد حظا من كثير من الصحفيين الذين سقطوا اثناء تادية واجبهم المهني او نتيجة لآرائهم‏.‏

 

قائمة الابطال

فقد صدرت خلال احتفالات هذا العام باليوم العالمي لحرية الصحافة عدة قوائم تضم اسماء الصحفيين والاعلاميين الذين لقوا مصرعهم اثناء تأدية واجبهم المهني او من اعتقلوا منهم نتيجة اداء هذا الواجب‏.‏

وكانت من ابرز تلك القوائم تلك القائمة التي اعدتها منظمة مراسلون بلا حدودحيث اشار تقريرها الي مصرع‏42‏ صحفيا خلال عام‏2003‏ اثناء تادية واجبهم المهني او كنتيجة مباشرة لارائهم‏,‏ وقد سقط فوق ارض اسيا والشرق الاوسط اكبر عدد من الضحايا من الصحفيين وخاصة هؤلاء الذين شاركوا في تغطية احداث غزو العراق والانتفاضة الفلسطينية وما تشهده الاخيرة من عمليات عسكرية اسرائيلية ضد المناطق المدنية الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة‏.‏ وقد اكدت المنظمة ان عدد القتلي من الصحفيين يعتبر الاكبر منذ عام‏1995,‏ كما نوه التقرير الي سقوط‏766‏ صحفيا في قبضة رجال الامن او جماعات مسلحة وتعرض ما يقرب من‏1460‏ صحفيا لهجمات وايذاء بدني او مادي وتعرضت اعمال‏501‏ صحفي لحظر النشر‏.‏ اما المعهد الدولي للصحافة فقد أشار في تقريره إلي ان عام‏2003‏ شهد مصرع‏64‏ صحفيا ومحررا واعلاميا تنفيذيا وان هناك‏19‏ صحفيا سقطوا فوق ارض العراق فقط واكد التقرير ان الصحفيين الذين لقوا مصرعهم لم يسقطوا في ساحات القتال فقط وانما تعرض بعضهم للاغتيال بواسطة منظمات امنية او ثورية او العصابات المنظمة وهي جهات تنتمي الي فئة ترغب في كبت وتضليل واخفاء الحقائق عن التحقيقات التي تسعي وراء كشف ما يرتكب من اخطاء وانتهاكات وجرائم‏.‏ وقد عبر مدير عام اليونسكو عن قلقه من ان غالبية حوادث القتل التي تستهدف صحفيين لم يتم التحقيق فيها بشكل مرض كما لم تقد التحقيقات الي انزال عقوبة بالفاعل‏!!‏

ومن جانب آخر وفي عالم تتلاطم فيه المعايير والتوجهات وتاهت فيه الحقيقة القت المعايير المزدوجة بظلالها علي فكرة الجوائز الممنوحة للصحفيين‏,‏ فعلي النقيض من تكريم الصحفيين الذين سقطوا وهم يقومون بالقاء الضوء علي الغزو الانجلوـ امريكي للعراق وللانتهاكات الاسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين‏,‏ فإن الجوائز التي منحها نادي صحافة ما وراء البحارعن عام‏2004‏ بالولايات المتحدة ذهبت الي صحفيين قاموا باعمال عبرت عن توجه مناقض فعلي سبيل المثال لا الحصر نال انطوني شديد مراسل صحيفة الواشنطن بوست جائزة عن تغطيته الصحفية لغزو العراق وكان من ابرز اعماله تلك القصة الموجهة التي روي فيها كيف وضع سكان احدي القري ابا عراقيا امام احد امرين‏,‏ الاول ان يقتل نجله الذي ثبت تواطؤه مع القوات الغازية‏,‏والاخر هو ان يترك لاهل القرية امر تنفيذ العقاب ضد نجله الخائن وباقي افراد الاسرة‏!‏ وبغض النظر عن الجائزة فإن مثل تلك الموضوعات الصحفية التي لايمكن وصفها إلا بـ الموجهةلا تنال الجائزة نتيجة الكشف عن الحقيقةبقدر ما تحصل عليه من تقدير نتيجة توجيهها للرأي العام لتبني موقف ما من السياسة الخارجية للبلاد‏!‏ وهكذا يمر عام جديد بذل فيه الكثير من الصحفيين الجهد والعرق بل والروح والحياة من اجل دفع مجتمعاتهم خطوة للأمـام.