في آخر حوار أجرته جريدة اليوم معه

الشيخ سعيد عدون:

لا أزال أعمل إلى أن يناديني ربي إلى جواره

الشيخ مع رئيس جمعية العلماء المسلمين الدكتور عبدالرحمان سيبان عندما كان وزيرا للشؤون الدينية

لأول مرة تتناول جريدة حوارا مع الشيخ (اشريفي سعيد) المعروف بالشيخ (عدون), ولقد اشتدت الرغبة لمحاورته إثر آخر احتفال قامت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ذكراها التأسيسية، فهو أحد أعضائها الأوائل وقد مضى من عمره ما يقرب من القرن مع التربية والتعليم والإرشاد والتوجيه، فهو أحد مؤسسي معهد الحياة بالقرارة الذي تخرج فيه أدباء ومرشدون ورجال تحملوا المسؤولية على مختلف المستويات في الدولة الجزائرية وخارجها، عمره تجاوز المائة سنة ولا يزال يطالع آخر الإصدارات ويقرأ صحف والمجلات ويتابع مختلف الأحداث الوطنية والدولية، لقد كان ولعه بالصحافة قديما، لقد كان ينشر مقالاته بصحافة أبي اليقظان حتى أنه خلفه في إدارة جريدة (الأمة) لمدة عام كامل وذلك سنة 1936، كان يمضي مقالاته باسم (سعيد ) واسمه الأصلي (عدون ) بن بلحاج بن عدون بن الحاج عمر، وهو الذي اشتهر به إلى يومنا، وحين أنشئت الحالة المدنية الرسمية بمنطقة وادي مزاب أيام الإستعمار سنة 1937 إختار لنفسه إسم ( سعيد ) ووضع اللقب للعائلة (شريفي ) نسبة إلى أحد أقاربه من الأجداد وهو الحاج سعيد المعروف بالشرف حاورناه في حديقة مخضرة تابعة لمسكن أحد الأفاضل وهو يقضي فترة استرخاء اعتاد اقتطاعها كل سنة تقرب الأسبوع. سألناه فأجابنا بكل عفوية وتلقائية .

* اليوم هذه فرصة تتاح لنا لنتحدث معكم شيخنا الفاضل في جوانب عدة من حياتكم وحياة وطننا الكريم، ولعل أهم المحاور التي نتناولها ما يتعلق بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لكونكم أحد أعضائها القدامى وما يتعلق بالتربية والتعليم نظرا لكونكم أحد أعمدته ولكثرة الحديث عنه هذه الأيام ولنبدأ فنقول من هو الشيخ عدون ؟ 

ـ سعيد شريفي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد.. جئتني أيها الإبن العزيز في آخر عمري وإن شئت فقل في أرذل عمري إذ نسيت كل شيء فالسنون الماضية هي تقريبا قرن كامل قد محت أكثر ما بقى في الذهن, كيف أستطيع أن أجيبك عن الأسئلة التي تسألني عنها ؟ ربما بقي الشيء القليل في الذاكرة من الأمور التي مضت في صغري أما في الكبر بعد الأربعين فكل شيء كما هي طبيعة الإنسان يمحى ولا يبقى منه إلا القليل النادر.

إذن لو سمحت لي وأعفيتني من هذه المهمة الصعبة لفعلت خيرا، ومع هذا لا أحرمك فيما أستطيع أن أقوله لك مما بقي من القلة القليلة جدا في الذهن إسألني عما شئت أجبك عما أستطيع أن أجيبك عنه.

* بارك الله فيكم شيخنا، أطلب من الشيخ الفاضل الذي تجاوز القرن من الزمن أن يدلي بنفسه معرفا بشخصه  الكريم. فمن هو الشيخ عدون ؟ وكيف نشأ ؟ 

ـ لا أعرف من أين أبدأ حياتي الطويلة والتي لا تقل عن تسعين عاما وأنا جاوزت القرن، لا أستطيع كيف أبدأ هذه الحياة، فهذا يحتاج إلى وقت طويل وساعات طويلة.

إن فترة التحصيل التي تبدأ من السنة السادسة من العمر إلى السنة العشرين على الأقل لم يتح لي أن أتعلم فيها التعليم المتعارف عليه الآن، فالتعليم آن ذاك في بلدتنا وفي جميع الوطن ضعيف جدا, إنما هو تعليم في الكتاتيب الصغيرة التي  تقتصر على تحفيظ القرآن، وهناك بعض المدارس الإبتدائية الرسمية الفرنسية التي تقتصر على الفرنسية، وهذه كذلك يتح لي الحظ بأن أتابع الدروس فيها, وإنما أخذت بعض الحصص في بعض الكتاتيب في السنوات الأولى من العمر -السابعة والثامنة- لحفظ القرآن الكريم، وكذلك درست السنة الأولى والثانية إبتدائية في المدارس الرسمية الفرنسية.

بعد ذلك في العاشرة من عمري توفي أبي وتركني فقيرا، بقيت الوالدة ومعها خمسة أولاد, بنتان صغيرتان تزوجتا حوالي الثانية عشر أو الثالثة عشر من العمر، وبقينا نحن الأربعة, الأم وثلاثة أطفال يتامى.

أبي توفي كما يقال عندنا (غارق ذمة) كان تاجرا وظروف قاسية مرت به فمات مدانا، واضطررنا أن نخرج من الدار التي بناها ويتلقانا الشارع، ولكن حضننا خالنا بضعة شهور ثم سافرت إلى التل وأنا صغير وكان ذلك سببا لتفكك العائلة فبقيت الوالدة مع أخيها وولديها الصغيرين.

هناك في قرية صغيرة في (سريانة) التابعة لولاية (باتنة) نشأت وتابعت الدراسة سنتين في المدرسة الرسمية الفرنسية أقرأ فيها ثلاثة أيام أو أربعة في الأسبوع، وأكون بقية الأيام الأخرى مشغولا وأنا ابن عشر سنين بالعمل في دكان تجاري، والعمل بسيط يستطيع أن يقوم به طفل في العاشرة من عمره جمع بين العمل وبين التعليم الإبتدائي.

بما أنني قرأت ثلاث سنوات في التعليم الإبتدائي الفرنسي الرسمي بقي شيء من اللغة والحساب فاستطعت أن أشارك في التجارة، وأن أشارك في التعامل مع العائلات وزبائن القرية التي كنا فيها، فهي قرية يسكنها المعمرون الفرنسيون، ولقد مارست فيها شيئا من التجارة في فترتين، الفترة الأولى هي هذه التي قضيتها في سنتين ونصف وعمري إحدى عشرة سنة أو إثنتا عشرة سنة إلى الخامسة عشرة. بعد ذلك رجعت إلى بلدتي بالقرارة أقمت فيها بضعة شهور ثم عدت إلى التجارة، لا إلى التعلم فقد فاتني القطار وبقيت في الدكان أعمل كأجير صغير جدا، بعد أن قضيت هناك ثلاث سنوات وبضعة شهور رجعت إلى البلد وعكفت على حفظ القرآن في إحدى الكتاتيب الموجودة في القرارة، عكفت حتى حفظت القرآن في شهور فالتحقت بجماعة ( إروان ) وبمعهد قائم على العلوم الشرعية والعلوم العربية وحفظ المتون بمنهجية التعليم القديم.

إذا أنه بعد أن تزوجت وعمري سبعة عشر عاما دخلت المعهد، فتعلمت به شيئا من العربية وشيئا من أصول الدين والفقة كما هو التعليم القديم ولاوجود للدروس التي تقرأ الآن بالتطبيق.

* هذا بمعهد الحياة ؟ 

ـ لا, قبل معهد الحياة.. أقمت فيه ثلاث سنوات ثم بعد ذلك صرت بحق ركزة في هذا المعهد الذي يجمعنا في حوالي عشرين تلميذا, وليس هناك أي نظام قار وإنما أي

كان يمكن أن يلتحق بنا فيقضي معنا شهورا أو سنة أو سنتين وينقطع ويمكن أن يعود إلينا بدون نظام وبدون امتحان، تعليم قديم على شيوخ نتعلم عندهم العلوم بدون تطبيق بعد ذلك إقتضى الحال أن تتغير الأساليب وأن نعمل بكل جهد في تطوير هذا التعليم القديم ليكون تعليما عصريا, ولكن رغم ذلك فقد إقتصرنا على المواد الأساسية, العربية ومتونها والأدب والتاريخ والأخلاق.

بعد أن وقع شيء من الخلاف بين كبار طلبة الشيخ (الحاج عمر بن يحيى), وكان الخلاف جلريا مدة طويلة, إختلاف في النظريات وفي التطوير. وبعد ذلك سعينا في تكوين معهد الحياة، وكان الشيخ بيوض من الطلبة البارزين, إذ حين وقع انفصال  بين الطلبة الكبار، أغلبيتهم منضمة إلى الشيخ بيوض, وأنا منهم, وقع إفتتاح معهد الحياة الذي أنشأه ووضع أسسه، ولم يسم معهدا وإنما سمي ( مدرسة الشباب ).

أسس معهد الحياة سنة 1925 ببضعة عشر طالبا بالتقريب، وبعد ذلك صار يتطور شيئا فشيئا وقع التطور في التعليم بحسب تطور السنوات وبحسب الفنون إلى غير ذلك, وتأسست جمعية الحياة في سنة 1937 فانتظم التعليم بعد سنة أو سنتين, وكان في التعليم امتحانات بين السنوات كما هو منظم اليوم, ثم بعد ذلك تطور شيئا فشيئا، وسرنا على ذلك حتى بعد الإستقلال.

تطور التعليم بعد الإستقلال سنة1962 فأدخلنا المواد التي كانت تدرس في المدارس الرسمية من لغة فرنسية ولغة إنكليزية، وأخرى كالرياضيات وغيرها من الفنون التي نشارك بها في الشهادات الأهلية وشهادات البكالوريا.

كنت غالبا المشرف على التعليم قديما وحديثا، هذا التعليم القديم الذي بدأ منذ أن دخلت المعهد صغيرا وأنا ابن 20 عاما، وأنا مستمر في تطويره والسهر عليه، ولا أزال أعمل بقدر إستطاعتي.

وتعرفون حالة المعهد الآن، إنه يساير الحياة العصرية ويشارك طلبته المتخرجون في الأهلية وفي البكالوريا وينجحون بحسب استطاعتهم واجتهادهم من بضعة وثلاثين في المائة ويصلون إلى 40 في المائة أو أكثر كسائر المعاهد الأخرى أو كسائر الثانويات الرسمية لا يقل عنهم نجاحا وذلك حسب السنوات.

وعلى كل حال فإن الشيخ بيوض هو القائم على هذه الحركة مشتغلا بالتدريس منذ تأسيس المعهد سنة 1925 إلى أن دخل في المجلس الجزائري سنة 1948 فترك التدريس في المعهد، ولكنه اشتغل بالإصلاح العام ملازما له منذ كان عمره 20 عاما، واقتصر على دروس يومية في التفسير والحديث بالجامع الكبير.

والإصلاح العام يشمل جميع نواحي الحياة الإجتماعية والاقتصادية والسياسية وجهوده كثيرة وله جهاد كبير.

إذن بعد ذلك قمت بتأسيس جمعية قدماء التلاميذ سنة 1948, وهذه الجمعية يديرها طلبتنا القدماء من وادي ميزاب الذين تخرجوا من معهد الحياة وكانت هذه الجمعية سائرة بنشاط منذ تأسيسها, وكانت أغلب أعمالها منصبة على التعليم وتطويره وإصلاحه, وعينوني مفتشا أقوم بتفتيش مدارسنا الحرة المنتشرة في وادي ميزاب والمنتشرة في التل, وكنت أتجول في العام الأول والثاني مرتين في السنة, ثم بعد ذلك اقتصرت على المرة الواحدة, أتجول على هذه المدارس الموجودة في القطر الجزائري كله وفي وادي ميزاب بالخصوص, وفي كل سنة بعد الجولة أكتب تقريرا وأرسله إلى كل مدرسة.

ودمت على هذا المنوال من سنة 1948 إلى سنة 1985, بعد ذلك عجزت عن التفتيش لأنه يقتضي نشاطا وجهودا كبيرة, خصوصا وأنا مرتبط بدروس منتظمة, لا أستطيع أن أفارق المعهد, فكنت آخذ كل سنة أسبوعين أو ثلاثة خارج وادي ميزاب ثم أعود.

وكما قلت فإن التفتيش يحتاج إلى جهود كبيرة, وظروف التفتيش مرتبطة بحضور التلاميذ, وأغلب المدارس أوقات دروسها بعد صلاة الفجر, وعشية على الساعة الخامسة, وكنت في بلاد التل أخرج من سطيف إلى قسنطينة قبل الفجر بساعة حتى أصل إلى قسنطينة بعد صلاة الفجر مباشرة وألحق التلاميذ الذين يدرسون بعد الصلاة, وأفعل مثل ذلك في بعض المواطن البعيدة, مثلا من تقرت إلى ورقلة كذلك أبكر قبل الفجر بساعة ونصف أو ساعتين, فالتفتيش يحتاج إلى جهود كبيرة لهذا لم أستطع أن أقوم به فتخليت عنه سنة 1985 وأنبت مكاني الشيخ بكوش محمد بن سليمان رحمه الله, وقد أحسن القيام بها في السنوات التي تولاها حتى توفاه الله تعالى, ثم بعد ذلك بسنتين أو ثلاث اشتكى الناس وطلبوا مفتشا في وادي ميزاب وفي غير ميزاب فعينت لهم المفتش الموجود الآن الشيخ بلحاج بكير بن يحي بن الحاج بكير, وكان القائم به في بلاد التل, بقي وادي ميزاب إلى الآن بدون مفتش عينت لهم بعض المفتشين ولكن لم يجدوا وقتا أو لم تسعفهم الظروف. ذلك بعض عملي ولقد بقيت الآن مقتصرا على القيام بجمعية الحياة وبإدارة المعهد, وكنت مديرا للمعهد منذ تأسيسه سنة 25 وعلى اليوم, رغم وجود الشيخ بيوض مشرفا على التعليم وعلى غيره, ولكن إدارة التلاميذ والدروس وتطبيقاتها والامتحانات وما إلى ذلك فأنا الذي أقوم به منذ سنة 1925 إلى سنة 1985, وزدت أربع سنوات أو خمس وانقطعت عن المعهد وكنت أقوم فيه فقط بدروسي المتعلقة بالعربية إلى سنة 1989 أو 1990 كذلك.

عجزت بعد ذلك عن ملازمة هذه الدروس واقتصرت في السنوات الأخيرة على دروس الأخلاق, أعطي ساعة في كل أسبوع لطلبة السنة الأولى والثانية ثم عجزت عنها كذلك, وبقيت مشرفا على الإدارة ولا أزال إلى الآن أعتبر مديرا لمعهد الحياة والمشرف عليه مستعينا بأعضاء إدارته, وأني رئيس جمعية الحياة قائم بشؤونها كلها, إلا إني عاجز عن إكمال الجولات لأنها تحتاج إلى جهود وصحة وأنا عديم الصحة كما تعرفون تجاوزت القرن أو شارفته, تلكم هي خلاصة حياتي فيما أذكر.

أما الآن أعتبر رئيس (العزابة) ورئيس (مجلس عمي سعيد) ورئيس (جمعية الحياة) ورئيس(جمعية التراث) ورئيس(جمعية القدماء) ورئيس (العشيرة) ولا أزال أعمل إلى أن يناديني ربي إلى جواره حيث ألقاه راضيا مرضيا إن شاء, فذلك ما أرجوه من حياتي, وهذا ما يمكنني أن أقوله بكل اختصار كما تعرفون.

                                                          

انحراف المنظومة التربوية

بدأ بالتخلي عن جمعية العلماء

الشيخ يشرف على تخرج دفعة من مستظهري القرآن الكريم

في الحلقة الماضية كان الحديث عن حياة الشيخ سعيد شريفي وعن معهد الحياة وتطوره, وفي هذه الحلقة سيكون الحديث عن البرامج الدراسية في معهد الحياة وعن مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعن إصلاح المنظومة التربوية.

* تحدثتم عن المسيرة التربوية على وجه الخصوص ذكرتم أنكم زاولتم التعليم في إحدى الكتاتيب ثم أنشأتم معهد الشباب قبل نشأة معهد الحياة وتطورت الدراسة فيه واختلفت برامجه فيما بعد الاستقلال, ما تقييمكم لبرامج هذه المسيرة التعليمية من الانطلاقة إلى اليوم؟ وما هي الإيجابيات والسلبيات في هذه المسيرة الطويلة المباركة؟

ـ التسمية هذه: مدرسة الشباب أو معهد الشباب أو معهد الحياة, هذه ليست لها تأثير في البرامج وإنما التسمية جاءت أول مرة هكذا فسميناه مدرسة الشباب وهو معهد في حقيقة الأمر وبعد بضع سنوات سميناه معهدا وذلك للتفريق بين المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية والمتوسطة, ثم جاءت جمعية الحياة في السنة 1937 وغيرنا الاسم عوض أن نسميه معهد الشباب سميناه معهد الحياة, والنظام واحد كما قلنا, نظام قديم وتطور حسب تطور الدروس, فلقد كانت الدروس يلقيها بعض المشايخ القدماء سابقا, ومنذ تأسيس المعهد سنة 1925 كانمت الدروس العامة كلها يلقيها الشيخ بيوض على الطلبة جميعا وكنت منذ تأسيس هذا المعهد أقدم بعض الدروس الابتدائية العربية أو دروسها في الأدب العربي خاصة فأنا أساعد الشيخ البيوض فيها, أما أغلب الدروس فيلقيها على جميع السنوات وهي تتعلق بالعقيدة وأصول الدين والفقه وأصول الفقه, والتاريخ في بعض الأحيان والدروس الاجتماعية يأخذها من بعض الجرائد الشرقية التي تأتينا من المشرق العربي ودروس أخلاقية أسبوعية يلقيها على جميع الطلبة هي دروس تنهيضية عصرية, يدخل الناس بها في الحياة الاجتماعية والسياسية الخاصة بظروف المجتمع الإسلامي بالخصوص, وبمقتضى المدارس والمجلات التي تأتينا من الشرق على طريق تونس, هذه طورت التعليم وأثرت فيه.

* ما هي أهم المجلات التي تتذكرها والتي كان يعتمدها؟

ـ يعتمد على مجلة (الفتح) وهي مجلة إسلامية وهي حقا من أعظم المجلات التي تعتبرها إسلامية محضة تدافع عن الإسلام أينما كان, شعارها دائما "أنت على ثغر من ثغور الإسلام فاحذر أن يؤتى هذا الثغر من قبلك" فهي تخاطب المسلم أينما كان, ذلك هو شعارها, وهي من أحسن الجرائد, يختار الشيخ بيوض منها بعض الفصول.

* غير ذلك من المجلات؟

ـ بعد ذلك مجلة (الصاعقة) وجريدة (الشورى) وهما جريدتان أسبوعيتان ومجلة الرسالة المصرية كذلك تأتينا أسبوعيا, يكتب فيها فطاحل علماء الأزهر, ومن الكتاب: الشيخ الصادق, الرافعي, العقاد, وطه حسين وأحمد حسن الزيات الذي هو مدير هذه المجلة ومسيرها.

نسيت أن أقول لك أن المعهد منذ تأسيسه في سنة 1925 وتطوره وتبلوره كمعهد كان له جمعية أدبية أسبوعية- كما تعرفون- تنشط دائما في تطبق المعلومات, وفي تطبيق العربية بخطب وشعر وما يتعلق بالأدب العربي وما يتعلق بالمجتمع وما يتعلق بالمحاورة والمناظرة. وكانت المطامح المختلفة من بعض الطلبة البارزين في المعهد توقعهم في جدالات ومعارك, لكنها معارك خاوية ودية, تصل في بعض الأحيان إلى عراك لساني شديد, هذه الجمعيات استمرت إلى يومنا وأنا رئيسها منذ تأسيسها سنة25 أو 26 إلى سنة 48 حيث أعطيت الرئاسة للشيخ ناصر مرموري وكنت أشرف عليها, واستمرت هذه الجمعية إلى الآن, كانت جمعية واحدة وأصبحت الآن جمعيات لكل طبقة (المستوى الدراسي) جمعية, وهي تظهر في ميادين مختلفة , خصوصا في بعض حفلات الأعراس والحفلات الموسمية كحفلات المعهد, وفي كل ذكرى مولد النبي الشريف تقام حفلة عامة في البلدة في ليلة المولد, وبعدها بأسبوع يقوم طلبة المعهد بحفلة أخرىبها أناشيد وإنشادهم وإنشاؤهم وتلحينهم, ففي كل حفلة يأتون بخمسة أو سبعة أناشيد جديدة, ظهر مثل هذا العطاء مع سنة 1940 إلى 1950 إلى ما بعد..

* هل هو قائم مثل هذا لاإنشاء والإنشاد إلى اليوم؟

ـ لا, هذه الأيام لم يبق منه شيء.

* ما السبب؟

ـ كنت مشرفا عليها ولكن عجزت عن ذلك ولقد عوضت بالجمعية التي لا تزال إلى اليوم تقوم بالحفلات التي تقع في الأعراس ومثلها موجود في داخلية الحياة ويسمى: لقاء الجمعة, وموجود في المعهد كذلك لطلبة القرارة إلا أنها غير منتظمة.

* لماذا كانت الجمعية سرية في بداية تأسيسها سنة 25 أو 26؟

ـ كانت سرية لأنه أولا كانت الجمعية هي التي تقوم بتسيير المعهد بطريقة الانتخابات, ثم أيضا هناك بعض التلاميذ لا يؤتمنون عليها فكانت سرية وهي تحتاج إلى الترسيم إلا أنه مراعاة للوضع العام, النظام الفرنسي العسكري الاستعماري, كنا لا نستطيع إظهارها ولكن هذا دام فترة قصيرة, فبعد الخمسينيات أصبحت جهارا, وكان لا يدخلها إلا بعض الطلبة الممتازين فهم الوكلاء, وهم المسيرون للمعهد وهم الناشطون في هذه الجمعية ثم بعد ذلك توسعت إلى جميع التلاميذ وأصبحت علنية, والسرية هذه دامت عقدا أو عقدين فقط.

* مرة أخرى نعود إلى البرامج الدراسية, فنظرا لمواكبتكم البدايات الأولى للبرامج في الكتاتيب وفي مدرسة ومعهد الشباب وفي معهد الحياة وما تلاه من التطور إلى يومنا بمتابعته للبرامج الرسمية, فأنتم من أهم من يجب أن يدلي برأيه, فهل هذا شيء إيجابي أم سلبي؟

ـ هذا إيجابي, تبعا للظروف, قبل الاستقلال كنا نسير وفق حالة خاصة, ليس هناك توظيف, وليس هناك مسلم يتولى وظيفة, أو يتولى إدارة رسمية لا يوجد أبدا, إلا المتخرج من المدارس الرسميةو وهم قلة, قلما تجد طبيبا مسلما أو إداريا مسلما أو موظفا مسلما حتى في الوظائف الخاصة فهؤلاء قليلون قبل الاستقلال كما هو الشأن في القطر كله, لهذا كنا نحتاج إلى دروس تؤهل للوظيف, كنا نحتاج إلى دروس إسلامية, دروس تخص الحياة الاجتماعية والحياة الاقتصادية فلما جاء الاستقلال صرنا نتناول الدروس التي تفتح أبواب الحياة, بل إن هذه الدروس كالرياضيات مثلا بدأت قبل الثورة التحريرية في الخمسينيات وصرنا نتوسع وخصوصا بعد الاستقلال, إذ ذاك أخذنا برنامج المدارس الرسمية فيما يتعلق بدروس الأهلية ودروس البكالوريا, ولم نتخل عن الدروس الأصلية للمعهد: دروس العلوم الإسلامية والعلوم العربية, لم نقطع الصلة بالعربية ولا تزال قوية.

بالنسبة للدروس الأخرى: العقيدة والتاريخ والتفسير والأحاديث, فهذه لا تزال بمكانتها, فلم تأت الرياضيات على حساب الدروس القديمة التي أسس عليها المعهد فهي لا تزال إلى اليوم. نعم فيه شيء من التقليل من هذه الدروس فالناس يميلون إلى الشهادات الرسمية لهذا وقع شيء من الاختزال لكنه قليل لا يعتبر, أما دروس الشريعة فهي لا زال قائمة في السنوات المتوسطة وفي السنوات الثانوية.

و يكون الاختصاص في الشريعة في السنوات التي تأتي بعد مستو الثانوي, فهذه لا تزال على حالها, فكأن هذه الدروس في الشريعة هي سلسلة الدروس التي كانت تلقى في المعهد قبل الاستقلال فالطالب بعد أربع سنوات يتخرج برسالة يكتبها وتناقش كما تناقش الرسائل في الجامعة, فهذه الدروس لا تزال قائمة كنموذج من الدروس التي يسيرها الشيخ بيوض للطبقة العليا في المعهد.

* بالنسبة لمدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين, لماذا توقفت؟ ولماذا معهد بن باديس أصبح الآن أطلالا؟ هل ربحت أم خسرت الجزائر بذلك؟

ج - الجزائر خسرت خسارة كبرى, لأنها لو استمرت على طريقة جمعية العلماء التي أنشأت عام 1931 واستمرت على نشاطها, خصوصا في الثلاثينات والأربعينات إلى سنة 1956 لكانت غير الجزائر اليوم, ولكن للأسف لما جاء الاستقلال فإن رؤساء الجمعية أنفسهم تخلوا عنها اعتمادا على الدولة الإسلامية وهي التي تقوم بهذه المدارس, وقد حذرهم الشيخ بيوض حين كان يتولى شؤون التعليم في اللجنة التنفيذية المؤقتة, وكانت هي وزارة التعليم إذاك, وقد دعا بعض بقية العلماء أظن منهم الشيخ عبد اللطيف سلطاني, والشيخ سحنون وحذرهم قائلا: أين جمعية العلماء؟ وأين مدارسها؟ لماذا تخليتم عنها؟ لأنه منذ سنة 1956 معظم الطلبة الكبار خرجوا من الجزائر فمعظمهم صعد إلى الجبل وبعضهم خرج من الجزائر إلى القاهرة وتونس وإلى الكليات الأخرى في الشرق في العراق وفي سوريا وفي الكويت, فالشيخ بيوض دعا هؤلاء وحذرهم من ذلك, قالوا نحن الآن في دولة الإسلام نعتمد على هذه الدولة فهي التي ستمول هذه المدارس وهي التي ستسيرها, كانوا يعتقدون أن المدارس الرسمية ستصبح تسير على نمط جمعية العلماء ولكن خاب ظنهم, وأنتم تعرفون من تولى تسيير الجزائر بعد الاستقلال جلهم اشتراكيون, هذه الأوضاع أنتم تعرفونها, أغلبهم يميل إلى الغرب فهم غربيون, ربتهم فرنسا على مبادئها وعلى لغتها ولا تزال هذه الحرب قائمة بين هؤلاء وأولئك فهذه أمور تعرفونها.

لهذا خسرت الجزائر خسارة كبرى بذلك, وتعرفون المعركة القائمة الآن بين اللغة العربية واللغة الفرنسية هذه كلها تعرفونها, وسبب ذلك تخلي جمعية العلماء عن وظيفتها التي كانت تسير عليها, ونحن والحمد لله تعالى لم نتخل عنها في مدارسنا قبل الاستقلال هي نفسها بعد الاستقلال.

* إذا كان بالإمكان أن نجد تفسيرا فنجيب على السؤال التالي: لماذا غابت عن العلماء الآخرين في جمعية العلماء الرؤية التي كانت للشيخ بيوض في هذا الموضوع؟

ـ لماذا؟ هذا ظنا منهم –كما قلنا- أن الدولة تسير على نمط جمعية العلماء, تسير سيرة إسلامية وفعلا سارت مسارهم في التعليم الأصلي ولكن استمر التعليم الأصلي بضع سنوات ثم ألغي بعد ذلك.

* لكن إلى اليوم يوجد ما يعرف بالمدارس القرآنية التابعة لوزارة الأوقاف..

ـ هي خاصة بالقرآن فقط, فيما أعلم ليس هناك تعليم كما كان في مدارس جمعية العلماء.

* ما يقال اليوم في إصلاح المنظومة التربوية من إبعاد مادة التربية الدينية من البرنامج وتعويضها بالتربية المدنية أو الأخلاقية ومعهد الحياة شعاره:"الأخلاق قبل العلم ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد " فهل توافقونهم على التربية المدنية أو الأخلاقية بدل التربية الدينية ولماذا؟

ـ لا نوافق على هذا, وإنما هذا خداع في الأمم لماذا يتركون التربية الإسلامية, لا التربية المدنية ولا الأخلاقية, لماذا تغيير الاسم؟ فالأخلاق في الحقيقة هي أخلاق القرآن وهي أخلاق الإسلام, ولكن الأخلاق عندهم شيء فضفاض كأنها خاصة بتنظيم الأمور, أن تكون تكون متخلقا يعني ملازما لوظيفتك مخلصا في وظيفتك تقوم بالأمانة في وظيفتك هكذا, تلك هي الأخلاق عندهم, ولكنكم تعرفون أن الأخلاق هي الإسلام والإسلام هو الأخلاق, وعندما يفضلون تسمية التربية المدنية فهذا معناه أنهم لا يطيقون حتى رائحة الإسلام ولو في الاسم, وكما تعرفون هؤلاء المسيرون هم الذين زاغوا,

(فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين), إذا اتبعنا هذه المنظومة التربوية فإنها تقودنا إلى الهاوية, وهذه الشؤون معروفة لدى جميع الناس.

* قالوا: إن المنظومة التربوية في حاجة إلى إصلاح, هل هي حقا في حاجة إلى إصلاح؟ وإذا كانت في حاجة ففي أي مجال؟

ـ نعم هي في حاجة إلى إصلاح, إصلاح ديني, إصلاحها هو إرجاعها أولا إلى نظام مدارس جمعية العلماء السائرة من قبل أو إلى مدارسنا نحن الموجودة إلى الآن ذلك هو الإصلاح, سيروا على هذا النظام على معاهدنا في وادي ميزاب أو معهد الشيخ بن باديس قبل الاستقلال فذلك هو الإصلاح, الإصلاح المساير للقرآن المستمد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله(ص), فلنصلح هذه المنظومة على ضوء القرآن والسنة ذلك هو الإصلاح فهو إصلاح جذري, ولكن الإصلاح عندهم ليست فيه رائحة القرآن ولا رائحة السنة أبدا.

* قد يقول قائل: إن ذلك عودة للماضي ورجعية,  الإصلاح هو تعلم لغات وتقنيات, ألا ترون ذلك هو الصواب؟

ـ نعم تعتبر العودة إلى الماضي رجعية وتعتبر ظلامية باعتبار الجاهلية قبل الإسلام, نعم فالرجوع إلى ذلك رجوع إلى الجاهلية الأولى, فهم لا يعرفون الله تعالى أبدا وإنما يعرفون المادة كما هي حالة قريش والبلاد العربية قبل الإسلام.

فالرجعية أنا أفسرها بالرجوع إلى ما قبل الإسلام, لا الرجوع إلى ظهر الإسلام, ولو رجعنا إلى الإسلام الحقيقي إسلام الصحابة والتابعين ومن سارعلى دربهم إلى اليوم, لو رجعوا إلى ذلك لكان إصلاحا حقيقيا, وهو الإصلاح الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, هذا هو الإصلاح.

نعم المنظومة التربوية محتاجة إلى إصلاح جذري بأتم معنى الكلمة, نعم يتطورون مع العصر, ولكن عليهم أن يعطوا للإسلام حقه, وللعقيدة حقها, يجب ترسيخها قبل كل شيء, وتحفيظ القرآن كل حسب استطاعته, ثم بعد ذلك يعتمدون على العقيدة وعلى تاريخ الإسلام وعلى أخلاق القرآن وأخلاق الإسلام, هذا هو الإصلاح الذي نريده, فلو أرادوا للجزائر حياة صحيحة لرجعوا إلى هذا الإصلاح المستمد من القرآن والسنة النبوية ومن عصر الصحابة وسيرتهم.

هذا لا يتعارض أبدا مع التكنولوجيا الحديثة, بل يؤيد الحياة العصرية في أي ميدان شئت, والقرآن نفسه يدعو إلى هذا.

* هناك من يرى أن العودة إلى الإسلام كأنه عودة إلى نصوص تدعو إلى قتال وجهاد وإرهاب إلى آخره...ومن هنا أرادوا أن يعيشوا السلام والأمان والعافية؟

ـ أعداء الإسلام يفسرون الإسلام بهذا التفسير الخاطيء, الإسلام لم يأت لمحاربة الناس, جاء يدعو إلى السلم أولا ويدعو إلى نشر الدعوة (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) تأمرون بالمعروف, نعم أمرنا بنشر دعوة الإسلام, أمرنا بنشر هذا الدين, فندخل البلاد ندعو فيها أهلها إلى التوحيد, فإن أبوا ندعوهم إلى تركنا المجال لنشر دعوة الإسلام فإذا عارضونا حاربنهم, وإذا تركونا أحرارا فهم أحرار في دينهم فلا إكراه في الدين ونحن ندعو إلى هدى الله تعالى وإلى الإسلام والبلاد التي تعرفونها-نصف الدنيا- كلها دخلت الإسلام على هذا النمط.

* في نظركم كيف يمكن إزالة تلك الفكرة من الآخر, فكرة رؤية الإسلام أنه الإرهاب والظلام..؟

ـ أولا: يحتاج الأمر إلى رجال.. ولكن أين هؤلاء الرجال؟ أين هؤلاء الذين يكونون هذا الصنف من الرجال؟

أولا: هناك رجال صادقون لابد أنهم موجودون ولكنهم محاربون من كل ناحية ولكن هذا من ضعفهم لو كان هؤلاء مؤمنين حقا يريدون للإسلام حياة طيبة لجاهدوا كما جاهدت جمعية العلماء في أوقات الاستعمار, وكما جاهدنا طوال حياتنا في وقت الاستعمار القائم الغاشم الذي هو أخبث استعمار في الدنيا قاومناه بدون إخلال بديننا, قاومته جمعية العلماء حتى أخرجناه من الأرض ولكن الذين أخرجوه بنيت نيتهم على دعوة الإسلام وعلى دعوة جمعية العلماء وعلى دعوتنا لو لم يدعوا الشعب إلى محاربة هؤلاء بأنهم مشركون وأنهم استعماريون وأن الإسلام هو الدين الذي يجمعنا لما نجحوا, لو دعوا إلى عصبية غير الإسلام لما نجحوا, ولما كان الشعب وراءهم وإنما قادة الثورة-والحمد لله- قد نصوا على مبادئ الإسلام هذه المبادئ التي جندت الشعب كله لمحاربة الاستعمار حتى ألقته في البحر لولا هذا لما استطاعوا أن يفعلوا شيئا, لو حاربوا من أجل الوطنية فقط ما استطاعوا أن يخرجوا فرنسا أبدا, ولا يكون الشعب وراءهم.

 

بلغ العشرين خمس مرات

أحوال الإســلام والمسلميـــن