هل الحبـوب..

قنبلة موقوتة تهدد بتفجير العالم ..؟

يدفع أكثر من معطى إلى أنّ العالم بات قاب قوسين أو أدنى من أزمة اقتصادية جديدة عنوانها الأكبر "الحبوب"، حيث تقول بيانات الهيئات الدولية المختصة إلى أنّ الارتفاع الذي طبع الأسعار العالمية للحبوب في شهر جانفي الماضي بنسبة 83 في المئة، لا يعدو سوى مقدمة لمنزلق متعدد الأوجه تبرز منحنياته من خلال تضاعف النقص المسجّل من هذه المادة الحيوية، بالتزامن مع زيادة احتياجات البشر إليها، ولعلّ إقدام الولايات المتحدة واللفيف الأوروبي باستخراج الوقود من الحبوب، سيزيد من حجم الهواجس التي صارت تتهدد 37 دولة بأزمة غذاء، بينهم العرب، أين يتواجد أكثر من بلد عربي في وضع حرج على غرار الجزائر والمغرب وتونس ومصر حسبما أورده مراسل إيلاف من لجزائر في هذا التقرير.

إذ يجمع خبراء على أنّ العام الحالي هو عام بداية الكوارث للدول الأكثر فقرًا حسب نفس المراسل ، لأنّ كلفة الأسعار تترجم إلى فواتير استيراد لا تستطيع بلدان كثيرة دفعها أو تحمل ثقلها، ويقول المحلل الاقتصادي الجزائري "هيثم رباني" في مقابلة مع "إيلاف"، إنّ الكوكب الأرضي بما يستوعبه من ثمانمئة مليون جائع حول العالم، وخمسة ملايين طفل يموتون سنويًا من الجوع، يوشك على السقوط في مستنقع خطر سببه الرئيس ازدياد الاستهلاك العالمي من القمح وتوابعه، بجانب "زهد" كثير من الدول المؤثرة إقليميا ودوليا في التعاطي مع المسألة من وجهة إنتاجية إجابية بعيدة المدى، في صورة مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، إلى جانب اليمن، وهو ما يفسّر المضاربات الحاصلة في البورصات العالمية من طرف لوبيات متنفذة، ويضيف رباني إنّ إدراك سوريا وإيران بأنّهما تملكان القوة تبعًا لقيامهما بتصدير القمح، جعلهما تمضيان في تحديهما لدولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية، تمامًا مثل كندا وفرنسا اللتان تقومان بتصدير كميات ضخمة من الحبوب إلى الدول العربية.

ويربط رباني كما المختص بالشأن الاقتصادي "سليم لعجايلية" المشهد الحاصل في منظومة الحبوب، بما تحوكه لوبيات متحالفة تشتغل داخل الدول المنتجة، وهي لوبيات برأيهما تمنع ازدهار صناعة القمح والشعير خاصة بعد اكتشاف نوعية من القمح الذي لا يستهلك كميات كبيرة من المياه، في دول يمكنها القيام بذلك على غرار دول آسيا الوسطى والجزائر والسودان ومصر، هذه الأخيرة يبرّر رباني خلفية أزمة الحبوب لديها بترسبات اتفاقيات كامب ديفيد التي دفعت بحسبه المصريين إلى الاتكالية والكسل، حتى وإن تظافرت عوامل الجفاف وشح المياه وزيادة عدد السكان، بجانب غياب سياسات اقتصادية ناجعة من هزال الموقف، عكس النجاح المحقق من لدن الهند والصين، على الرغم من مرورهما بالمصاعب ذاتها.

ويرى كل من رباني ولعجايلية إنّ سوريا وإيران تتمتعان بقرار سياسي سيد، يحفزه التحدي الأمني وهو ما جعلهما تسارعان إلى تحقيق الإكتفاء الذاتي من الحبوب، لكون إيران في حرب مفتوحة مع الغرب، مثل سوريا وصراعها المفتوح مع إسرائيل، ويدرج المختصان عامل السلبية والإنعزالية المسيطر على المجموعة العربية، فعلى الرغم من امتلاكها 198 مليون هكتار، إلاّ أنّ أنظمتها تصرّ على تكريس التبعية الغذائية وتجعلها ترتضي الاستيراد لسد فجوة اتسعت لتصل إلى 18 مليار دولار، فيضطر العرب إلى توفير ما قوامه مليار رغيف من الخبز يوميًا، وفي المحصلة بلغت واردات الجزائر أكثر من خمسة ملايين طن، والمغرب من القمح ثلاثة ملايين طن، في حين رفعت تونس حجم وارداتها من القمح إلى ستمئة ألف طن، وليست مصر والسودان بأحسن حال من الدول الآنف ذكرها، وهو ما جعل واردات العالم العربي من الحبوب تصل إلى حوالي 50 مليون طن، علمًا أنّ استهلاك الفرد في الوطن العربي هو الأعلى استهلاك في العالم بواقع 158 كيلوغرامًا سنويًا.

من جانبه، يحذر الخبير الاقتصادي عبد الحق العميري من أنّ أزمة الحبوب الوشيكة ستزيد من متاعب اقتصاديات الدول العربية خاصة تلك الواقعة في شمال إفريقيا، ما يعرّض شعوبها إلى مزيد من "شدّ الحزام" على صعيد مستوى المعيشة، في ظل اعتماد دولهم على الأسواق الخارجية لتأمين حاجياتها من القمح، على الرغم من امتلاكها لأراضي زراعية شاسعة وغنية، ولن ينفصل – استنادًا إلى العميري- رصد مخصصات إضافية ضخمة لتوفير فاتورة الأمن الغذائي (تربو حاليًا عن الأربعين مليار دولار)، عن استشراء حمى التأزّم الاجتماعي مثلما هو حاصل في ثمان وعشرين دولة فقيرة استنادا إلى كشوفات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

ويرجّح خبراء في منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو)، أن تشهد أسعار الحبوب سيما القمح اللين صعودًا لافتًا في غضون الفترة القادمة، قد يصل إلى مستوى 45 في المئة عن السعر المتداول حاليًا، وستلعب المضاربة والحسابات السياسية دورها ضمن هذا المنظور، تلعب فيه دول الاتحاد الأوروبي (تنتج 122 مليون طن) دورًا مفصليًا، إلى جانب الصين (106 مليون طن)، الهند (75 مليون طن)، الولايات المتحدة (56 مليون طن)، روسيا (48 مليون طن).

وكالعادة، يتوقع حدوث هزات اجتماعية عنيفة عبر الدول العربية ومناطق أخرى عبر العالم، على غرار "ثورة الخبز" التي أحدث رجة في الجزائر وأندونسيا ومصر قبل فترة، في ظل الحساسيات الموجودة بين عموم الدول العربية واستحالة تنسيقها الجهود لتوفير صمام أمان الغذاء لديها، وهو ما يجعل من اعتماد إستراتيجية عربية زراعية مشتركة أمرًا بعيد المنال، على الرغم من أنّ أراضي بلد واحد مثل السودان الذي يتموقع كأكبر بلد عربي وأكثر مياه وأكثر خصوبة، مقومات تمكنه من إغراق الوطن العربي كله بالحبوب سيما القمح (2.5 مليون كيلومتر مربع مساحة أراضي السودان).

واستنادًا إلى بيانات الفاو، يرتقب أن ترتفع أسعار الحبوب بشكل غير مسبوق منذ العام 1945، بحيث ترتفع قيمة القمح بنسبة 100في المئة، فول الصويا 80 في المئة، الذرة 20 في المئة، وأصدرت منظمة الأغذية والزراعة العالمية في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي، تقريرًا أعربت فيه عن مخاوفها من اتساع رقعة الجوع، وقال رئيسها جاك ضيوف إنّ الكرة الأرضية مهددة بكارثة "امتلاك المال لكن لن يفيَ بالغرض لشراء غذاء"، وهو ما يفرض على كثير من الدول المهددة إلى مضاعفة استثماراتها بالزراعة في غضون خمس سنوات، فهي الآن أمام معادلة صعبة:"لن تنتج الغذاء بشكل كاف إذا لم تستثمر في إنتاج الغذاء بشكل كاف".

وسيكون اللقاء المزمع في الفترة ما بين 3 و5 يونيو/حزيران القادم بروما حول الأمن الغذائي، مناسبة تراهن عليها عديد الدول في العالم لتذليل المصاعب التي باتت تكتنف كيفية تغذية العالم في ظل آثار التغيرات المناخية وانخفاض المحاصيل، وقد بدأت حكومات الدول الفقيرة النظر في تطبيق عدد من الإجراءات الرامية إلى مساعدة الفقراء على التأقلم مع الارتفاع المستمر وغير المسبوق الذي تشهده أسعار المواد الغذائية في العالم.

وتستعد منظمة الأغذية والزراعة لعقد سلسلة من الاجتماعات حول وضع الأمن الغذائي المرشح لمزيد من التدهور، بهدف مساعدة الحكومات على مواجهة انعكاسات هذا الوضع، بالتوازي مع توقع الأمم المتحدة، استمرار المضاربة حتى العام 2010، وجزم جوزيت شيران المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قبل يومين أنّ المضاربة في أسواق الحبوب ليست ظاهرة قصيرة الأجل، على نحو يجعل الأسعار تدرك مستويات قياسية خلال العامين المقبلين.

كما أفادت المنظمة أن البلدان الواقعة شرق إيران مثل أفغانستان، الهند، باكستان، تركمانستان، أوزبكستان وكازاخستان وهي بلدان رئيسية منتجة للقمح تتعرض لخطر الفطريات وينبغي أن تكون على درجة عالية من الحذر حيث يقدر أن نحو 80 في المئة من جميع أصناف القمح في آسيا وإفريقيا عرضة للإصابة بهذه الفطر.