الرئيس بوتفليقة في ندوة الحكومة والولاة

يؤكد على إجراءات ملائمة لتعزيز صلاحيات الولاة

ألقى رئيس الجمهورية، السيد عبد العزيز بوتفليقة، يوم الأحد بقصر الأمم (الجزائر العاصمة) كلمة في افتتاح ندوة الحكومة والولاة. هذا نصها :


"بسم الله الرحمن الرحيم

- والصلاة والسلام على اشرف المرسلين

- وعلى اله وصحبه إلى يوم الدين

- أصحاب الدولة والمعالي والسعادة

- حضرات السيدات والسادة الولاة

- حضرات السيدات والسادة

إنني لسعيد بلقائي بكم في اجتماعكم هذا. ومبعث سعادتي هو ما أوليه من بالغ العناية لمثل هذه اللقاءات التي صارت سنة حميدة دأبنا عليها في سبيل تعزيز المسار الديمقراطي في بلادنا وتعبيرا عن حرصنا على إقحام وإشراك كافة الأطراف المعنية بتجسيد المقاربة الاقتصادية والاجتماعية للتنمية الشاملة المستدامة التي نروم تحقيقها سويا.

إن في تبادل الأفكار بين أعضاء الحكومة والولاة وعدد كبير من الخبراء في قطاعات اقتصادنا الرئيسية وفي تناول المشاكل والإكراهات والحلول على المستويين الأفقي والقطاعي على حد سواء بالدراسة والتمحيص ما سيعيننا بكل تأكيد على أحكام تدبير مساعينا التنموية ووضعها في إطارها الأمثل. والخيارات الأساسية التي سبق لي مرارا أن استفضت في تناولها بالإيضاح والتي أرسينا سويا أسسها خلال ما فرط بيننا من لقاءات تمحورت حول استراتيجية تنموية تتوخى توطيد أركان مجتمعنا وإدماج كافة مكوناته وتحقيق نمو اقتصادي مواكب للتقدم ومتساوق معه.

وكان لا مناص لهذه الاختيارات من أفراد مكانة خاصة للتنمية المحلية الجوارية الموضوعة في خدمة اكثر المناطق معاناة من التأخر من حيث التنمية البشرية واشدها تضررا من مخلفات المأساة الوطنية.

من ثمة فان الأولويات الرئيسية التي ينبغي أن ينصب عليها مسعانا في إطار المقاربة العقلانية التي اعتمدناها ينبغي أن تمكننا في المقام الأول من ترقية المناطق المحرومة والتخفيف من الفوارق ومن تنمية العالم الريفي ومكافحة الفقر والتهميش وإشراك المرأة في التنمية وإعادة تأهيل مواردنا البشرية بل وفوق ذلك من ايلاء كامل عنايتنا لتوفير مناصب الشغل لشبيبتنا وإدماجها في المسار الإنتاجي. فما أحسنه لقاء هذا الذي يضم كافة الأطراف المعنية ويجعلها تشارك في الإدارة المحلية وهذا حتى لا يطال الإهمال في التفكير الجاري أي جانب من جوانب حاضر شعبنا ومستقبله وأية إمكانية لتخليص سياستنا التنموية من نقائصها وتكييفها مع المستجد من المقتضيات والحقائق. ذلك أن إشكالية التنمية وخاصة التنمية المحلية هي التي تطرح نفسها علينا مرة أخرى طرحا ملحا من حيث الأولوية والاستعجال. لقد سبق لي وان قلت في شتى المناسبات وأكرر اليوم انه لا خيار لنا أمام التحديات التي يطرحها النمو والعولمة سوى ان نطرد في مواصلة المجهود التنموي الذي باشرناه خلال السنوات الأخيرة لتحسين إطار وظروف معيشة المواطنين ولبعث النشاط وخلق الثروات ومناصب الشغل. وفي هذا المنظور بالذات وضعنا أنظمة عديدة لدعم التشغيل تتوخى بوجه أدق إدماج أقصى عدد ممكن من الشباب وممن تجاوزوا سن الشباب في عالم الشغل بما يمكنهم من استعادة الاعتزاز بأنفسهم. كل هذه التحديات ترهق ايما إرهاق كاهل الدولة التي ينتظر منها فيما يخصها ترشيد تنظيمها وسيرها ترشيدا اكبر وتحسين نوعية أداء الخدمة العمومية وإعادة بسط هيبتها وسلطانها بإضفاء المصداقية الضرورية والمأمولة مجددا على كافة مؤسساتها بما فيها الإدارة الإقليمية والهيئات المحلية المنتخبة. ان الجماعات المحلية - كما تعلمون - هي في الخط الأمامي من جبهة تلبية الحاجيات الجماعية وعليها يقع في نهاية المطاف القسط الأكبر من مجهودنا التنموي.

وقد تم خلال السنوات الأخيرة القيام بعديد الأعمال في إطار برنامج التجهيز وبرنامج دعم الإنعاش الاقتصادي تمثلت في تطوير سياسة تتوخى إعادة تنشيط البلديات وإنعاشها ورجوع الساكنة إلى ديارها واستقرارها بها واستهدفت عموما تحسين المعيشة اليومية في المحيط الريفي على وجه الخصوص. وقد تبنت السلطات العمومية على امتداد هذه السنوات وطبقت سياسة تنموية تشرك الجماعات المحلية إشراكا وثيقا. ويمكن لمس مفعول عمل دعم التنمية هذا اليوم على أوسع نطاق في صيرورة مختلف البرامج التنموية الموجهة غالبا لتحسين ظروف معيشة الساكنة.

يقتضي تطبيق هذه البرامج وضمان فعاليتها تعبئة كافة الطاقات ووجود أوفى قدر من التناغم والتناسق بين التوجهات الوطنية الكبرى والبرامج المحلية والقطاعات ناهيك عن ضم الجهد على النحو الأكثر ملاءمة بين الفاعلين والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين. يمكننا من ثمة ان نقدر حق التقدير مدى المسؤوليات وأهمية توزيع المهام بين الدولة والجماعات المحلية والمجتمع بأسره في إدارة البرامج التنموية بما يعطيها كل حظوظ النجاح.

ان الدولة تتولى وظائف التوجيه والتنظيم والضبط والتنسيق والمراقبة بين مختلف الفاعلين فضلا عن وظائف الحض على إيجاد مناصب الشغل وعلى الاستثمار. والمطلوب منها لهذا الغرض إيجاد الإطار القانوني والإداري الضروري لإدارة سليمة قصد تحسين أداء الخدمة العمومية وتحديد سياسة مالية تكون في مستوى طموحاتنا وأهدافنا. يتعين على الدولة السعر على إعادة التوزيع العادل للثروات الوطنية بإنجاز ما يلزم من الهياكل القاعدية وتأمين مختلف الخدمات الاجتماعية خاصة لصالح الفئات الاجتماعية المحرومة أو المهمشة. ويجب على الجماعات المحلية والهيئات الإقليمية ان تسهم من جهتها إسهاما اكثر فعالية في التنمية الاجتماعية الاقتصادية والثقافية. ومن المحبذ بهذا الشأن ان تضطلع الولايات والبلديات التي يتعين عليها السعي في سبيل تعزيز الديمقراطية ودعم اللامركزية وتوسيع عملية فك التمركز الإداري من المحبذ ان تضطلع بدور اكثر فعالية في تحريك التنمية والاستعمال السديد للموارد البشرية وللإمكانيات والثروات في برامج تعود بالخير والمنفعة وتؤثر إيجابيا على الحياة المحلية. قصاري القول يتعين عليها ترقية روح مبادرة تتكفل بالاستجابة للتطلعات المحلية للمواطنين.

وفي هذا الإطار، تدمج البرامج التنموية من مثل تلك التي أطلقناها على امتداد السنوات الأخيرة أهداف الاستراتيجية التي وضعناها لاستبدال المنهجيات الاعتباطية التقربية الظرفية بمنهجية اكثر عقلانية كفيلة بتكثيف النسيج الإنتاجي في العالم الريفي وتنويع وتحسين مصادر الدخل فيه بما يساعد سكان الأرياف على الخروج من تبعيتهم ومن تهميشهم. وفي موسوع الاستثمار الخاص ان يشكل في هذا المنظور رافدا بالغ الأهمية للعمل الحكومي وعلينا سويا أن نسعى من أجل إيجاد الحلول للمشاكل التي تقف عائقا في وجه الاستثمار. ولهذا الغرض قمنا إلى جانب اعتماد الإطار القانوني والتنظيمي اللازم بإحداث سلسلة من الأدوات لتشخيص الصعوبات والاختلالات وإيجاد حلول لها تكفل تسهيل الإجراءات وتذليل عقبات الطريق أمام المستثمرين.

إن عبء الإجراءات هو واحد من الأدواء الكبرى التي تقف عائقا في وجه تنمية بلادنا وهذا بفعل ما يكتنفها من تعقيد ومن طغيان الروتين (routine الرتابة) عليها على مر الزمن وبفعل التداخل في الصلاحيات وصعوبة التواصل مع المواطنين ومحيطهم بصفة عامة والانصات لمرتفقي المصالح العمومية. وكل هذا يفضي في نهاية المطاف إلى عدم الاكتراث بمصالح المواطن ومن ثمة إلى تعطيل الاقتصاد والتنمية.

تتوفر الجزائر على عدد هام من الجمعيات غير الحكومية ذات التخصصات المتعددة التي يمكنها ان أردنا إشراكها حقا وصدقا أن تنمي قدرتها على تعبئة الطاقات البشرية وأن تشكل عنصرا ذا بال في خدمة تنمية قوامها المشاركة الفعالة للمواطنين. وينبغي للدولة وللجماعات المحلية الاستثمار في هذه الطاقات الهائلة وتقديم المساعدات لها مع تذكيرها بمسؤولياتها وواجباتها بتوضيح قواعد سيرها على نحو أفضل وترشيد إدارتها.

حضرات السيدات والسادة

ان البرامج التي طبقناها على كافة جبهات الواقع الاجتماعي قمينة بأن تتيح لنا الاستجابة للمطالب المشروعة للمواطنين وللمنتخبين فيما يخص إنجاز المشاريع ذات المنفعة الجماعية. كما أنها تطمح إلى تيسير خلق الثروات بحض وتشجيع المستثمرين العموميين والخواص العاملين في كنف احترام قوانين الجمهورية ونظمها.

وبضفة أعم المبتغى من وراء هذه البرامج التنموية هو تحسين الأوضاع المحلية في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية وإيجاد رد ملموس للمشاكل الحقيقية المطروحة على غالبية مواطنينا. إن الدولة على امتداد السنوات الأخيرة وخاصة منذ البرنامج الاستعجالي الذي تم إطلاقه سنة 2000 لم تبخل بالوسائل المطلوبة لتجسيد سياستها التنموية ميدانيا السياسة التي يمكن معاينة نتائجها الإيجابية على أوسع نطاق اليوم.

إنني أسجل بارتياح نتائج الأعمال التي تم بعد القيام بها في هذا الإطار ولا أدل على ذلك من الأرقام إذ أن جملة المخصصات المرصودة خلال السنوات الخمس الأخيرة (2001-2005) برسم مخططات التنمية القطاعية ومخططات التنمية البلدية بلغت 1557.5 مليار دينار منها 40 مليار دينار برسم البرنامج الاستعجالي الموجه إلى مرافقة الساكنة في عودتها إلى المناطق المتضررة من مناكر الإرهاب. وخلال نفس الفترة ارتفعت الاستثمارات برسم البرامج اللاممركزة بنسبة سنوية متوسطة قدرها 39 بالمائة. ومقارنة بعدد السكان فان قيمة الاستثمارات على امتداد الفترة المعنية تبلغ 4700 دج لكل فرد وقد ارتفعت من 4000 دج للفرد الواحد سنة 2001 إلى 13500 دج للفرد الواحد سنة 2005 أي تضاعفت بما نسبته 237 بالمائة. وقد مكن المجهود المالي هذا من إعادة تهيئة اكبر عدد ممكن من المرافق الإدارية والتربوية ومن الحد من النزوح الريفي بل وحتى وقفه ومن تيسير اياب الساكنة إلى مواطنها.

ومن جهته استفاد برنامج دعم الإنعاش الاقتصادي الذي تم إطلاقه مباشرة بعد ذلك ومدته أربع سنوات (2001-2004) من مخصص إجمالي قدره 555 مليار دينار موجه لإنجاز 45997 مشروع معتمد. وكان مبتغانا وهدفنا من خلال هذا البرنامج دعم سياستنا الاجتماعية والاقتصادية الجوارية توخيا لتحسين ظروف وإطار معيشة المواطنين وجعل الجماعات المحلية فضاء ينتج ديناميته التنموية من ذاته.

وكانت الأهداف العملياتية التي كان يتوخى برنامج دعم الإنعاش الاقتصادي تحقيقها تروم إسناد الأعمال المدرة للثروات ولمناصب الشغل من خلال ترقية المستثمرة الفلاحية والمؤسسة المحلية الصغيرة والمتوسطة وإنجاز أو إعادة تهيئة الهياكل القاعدية الكفيلة بتلبية حاجيات الساكنة وتنمية الموارد البشرية. كان يتعين تحقيق هذه الأهداف من خلال جملة م المشاريع المتصلة بالقطاعات الرئيسية وهي قطاعات تختلف من ولاية إلى أخرى بل من بلدية إلى أخرى في نفس الولاية. وكان البرنامج يعني كافة المحاور الرئيسية الكبرى للتنمية وعلى الخصوص الفلاحة والموارد المائية والتربية والتعليم العالي والتكوين المهني والصحة والشباب والرياضة والإسكان والأشغال العمومية والطاقة والهياكل الإدارية والتشغيل والحماية الاجتماعية والثقافة. ان قوام البرنامج وطبيعة ما ينطوي عليه من مشاريع يمثلان عاملين مواتيين لدينامية النمو المتبعة من خلال سياسة دعم الإنعاش الاقتصادي. ويشمل البرنامج كما من الأعمال الخاصة والمتكاملة التي تأخذ بعين الاعتبار الإكراهات العديدة والاحتياجات المصرح بها أو الكامنة في العديد من قطاعات النشاط الاقتصادي للبلاد أو في الحياة اليومية للمستفيدين منه قبل غيرهم ألا وهم المواطنون والجماعات المحلية. والنتائج هذه التي ساهمت الجماعات المحلية أيما اسهام في تحقيقها أتاحت تأمين تغطية أوسع للحاجيات الأساسية للسكان وهذا من حيث أنه تم الفراغ من إنجاز 44817 مشروع بينما يوجد 1180 مشروعا قيد الإنجاز. فضلا عن ذلك أتاحت المشاريع المنجزة أو تلك التي هي بصدد الإنجاز إحداث ما يقارب 376000 منصب شغل جلها مناصب شغل دائمة. كما أتاحت تحسين إطار معيشة ملايين المواطنين في التجمعات الحضرية والريفية وإنجاز هياكل قاعدية رياضية وترفيهية استفاد منها اكثر من 17 مليون شاب وتحسين ظروف تمدرس الملايين من التلاميذ وتحسين تزويد 24 مليون ساكن بالماء الشروب ووصل آلاف المنازل بشبكات الكهرباء والغاز ... إلى غير ذلك.

هذه بعض المؤشرات من حصيلة ما يربو عن الخمس سنوات من الإنجازات تشجع على المبادرة بالمزيد من الأعمال لتكملة مجهود إعادة الاعمار الوطني الذي باشرناه سويا خلال السنوات الأخيرة. وبالموازاة مع برنامج التنمية المحلية هذا الذي يعني مجمل ولايات البلاد فان البرامج التنموية الخاصة لمناطق الجنوب والهضاب العليا تتيح القيام بأعمال عديدة لاستدراك التأخرات بما يعود بالخير العميم على ساكنة هذه الولايات.

لقد سمح الصندوق الخاص لتنمية مناطق الجنوب منذ إحداثه لكافة الفضاءات المؤهلة للاستفادة من تمويله بتسجيل مستويات تنمية معتبرة والقيام بالعديد من أعمال إعادة التأهيل في سبيل التقليص من الفوارق بل القضاء عليها. وان مواصلة الجهود في هذا المجال تيسر وتعجل إعادة تأهيل كافة المناطق وتقيم البرهان على إرادتنا السياسية التي لا تحيد عن العمل دائما وأبدا على المزيد من التوازن الجهوي. وقد تم تطبيق برنامج تكميلي بين غشت 2000 ومارس 2004 لسد العجز وتدارك التأخرات والنقائص المسجلة في بعض قطاعات النشاط والاستجابة ولو جزئيا للعديد من تطلعات المواطنين. ولقد أصبحت اليوم آثار هذه البرامج واضحة للعيان. وسأذكر بهذا الشأن النتائج المحصل عليها في الميادين التي أسلفت ذكرها والتي لم يفتني التعرض لها في كل حديث من احاديثي حول هذا الموضوع.

من جهته، يشكل برنامج دعم النمو الاقتصادي الذي أطلق سنة 2004 مسعى إضافيا يكمل مسعى التنمية المحلية. والبرنامج هذا ذو الجوانب والأبعاد المتعددة والمتنوعة يمتد على خمس سنوات من 2005 إلى 2009 ويقتضي لإنجازه غلافا ماليا شاملا قيمته 555 مليار دج.

إن البرنامج الواسع النطاق هذا يتوخى قبل كل شئ تجسيد اختياراتنا التنموية الكبرى بشكل اكثر عمقا على غرار البرامج الطموحة التي تمت صياغتها لصالح ولايات الجنوب والهضاب العليا كما يروم بعد ان يبلغ مداه محو كافة الفوارق والنقائص من خلال المشاريع القطاعية الكبرى على وجه الخصوص. ذلك هو الحال بالنسبة لبرنامج إنجاز مليون سكن الذي يشهد في هذه الآونة بالذات نسبة تقدم تبعث على الارتياح. وأخص بالذكر كذلك مشاريع المنشآت القاعدية الكبرى من مثل تلك المتصلة بالسكة الحديدية وبالطريق السيار شرق-غرب وبتوسيع شبكات الكهرباء والماء والغاز الطبيعي وبالمواصلات اللاسلكية إلى غير ذلك. قصاري القول هناك الآلاف من المشاريع التي من المقرر ان تنجز خلال السنوات الأربع أو الخمس القادمة تكملة لما تم إنجازه بعد لصالح شعبنا وتنمية بلادنا.

حضرات السيدات والسادة

لقد رصدت الدولة في نهاية المطاف مخصصا ماليا شاملا يفوق 6000 مليار دج لإنجاز المشاريع عبر كافة ولايات الوطن. لكن هناك مع ذلك الكثير مما يبقى علينا فعله فالطلبات كثيرة شأنها في ذلك شأن النقائص. ويتعين في سبيل تلبيتها الإلمام بالواقع المحلي إلماما أوفى والتحلي بروح المبادرة وخاصة الإصغاء واقتراح برنامج عمل تكميلي تتم صياغته على أساس ما يعبر عنه السكان من احتياجات حقيقية.

كما يجب ألا ننسى ات أن الأعمال هذه التي تتم المبادرة بها محليا يجب ان تبقى متساوقة مع ما يمليه الشغل المتوازن للإقليم من مقتضيت ومع ما يفرضه انتهاج سياسية نشطة في مجالات التصنيع والخدمات والتنمية الفلاحية من مستلزمات. في سبيل هذه الغاية سنظل نحض المنتخبين المحليين على المزيد من الحضور والإصغاء على نحو افضل للمواطنين بحيث يصبحون حقا وصدقا المصدر الذي تستقى منه المقترحات المتعلقة بالمناهج والمشاريع التي تتيح التكفل بالصعوبات التي يواجهها السكان وتكفل متابعة إنجاز المشاريع.

إن الأعمال التكميلية التي ستدعون إلى اقتراحها يجب أن تكون موجهة أساسا صوب تدارك النقائص الملاحظة هنا وهناك والقضاء على الاختلالات التي ربما لا تزال موجودة بين هذه الولاية وتلك أو بين البلديات والمدن داخل الولاية ذاتها. كما ينبغي أن تقود إلى تناسق افضل بين البرامج المحلية لمختلف القطاعات. وأغتنم فرصة هذا الاجتماع للإعلان عن ان مخصصا ماليا قدره 150 مليار دينار سيتم رصده برسم قانون المالية التكميلي لسنة 2006 من أجل التكفل بالنفقات ذات الصلة بهذا البرنامج التكميلي.

ان الأهمية الكبرى لهذا البرنامج التكميلي إنما تكمن في ان صياغته ستتم على أساس اقتراحات الولاة بالاتصال مع المنتخبين المحليين ودون إبعاد المقاربات القطاعية. يبقى عليكم إذن اختيار اكثر المشاريع مواءمة على أساس الطلبات التي يعبر عنها السكان وممثلوهم مع إشراك كل من هو قمين من الشركاء بالإسهام بفعالية في وضع هذه البرامج التكميلية. وسيتم انتقاء هذه البرامج على أساس الحاجيات المستعجلة وذات الأولوية خاصة في مجالات التشغيل والسكن والتزويد بالماء الشروب والتطهير والتوصيل بشبكات الكهرباء والغاز الطبيعي وفك العزلة ووسائل الاتصال والنقل إلى غير ذلك. وتوسيع قائمة المخططات البلدية للتنمية من شأنه ان يساعد على تعزيز التنمية المحلية بما يتيح التكفل بإنجاز تجهيزات اجتماعية اقتصادية جوارية ومرافق إدارية وبعمليات فك العزلة.

حضرات السيدات والسادة

واجهت تحقيق هذه البرامج في مرات عديدة عقبات وصعوبات خاصة بل وحتى بعض السلوكات السلبية المتصلة في غالب الأحيان بالمركزة المفرطة لوسائل التنفيذ. إنه ينبغي في كل مرة تطبيق إجراءات مواتية وبخاصة الصرامة والموضوعية في اختيار المشاريع ومؤسسات الإنجاز ومزيد من المراقبة من قبل اللجان الولائية والشفافية في تسيير هذه البرامج بمراعاة إجراءات إبرام الصفقات العمومية.

لقد أتاحت الإجراءات المقررة تماشيا مع تطبيق برنامج دعم الإنعاش الاقتصادي على وجه الخصوص فتح حساب على مستوى أمين خزينة الولاية الأمر الذي أدى إلى إعطاء الأمرين بالصرف إمكانية الاحتفاظ بجملة الاعتمادات الاعتمادات التي لا يتم فضلا عن ذلك اقفالها في نهاية السنة مثلما هو الحال بالنسبة للبرامج التنموية الأخرى. كما سأذكر بتخفيف الإجراءات في مجال تنظيم الصفقات العمومية بفك تمركز البرامج المركزية وإعادة تنظيم الوكالات العقارية المحلية وإحداث وكالة عقارية ولائية مكلفة بتسيير الوعاء العقاري للولاية برمته.

ومن جانبكم عليكم في المقام الأول أن تحرصوا على تعهد المشاريع بما يكفي من الانضاج وأن تخصصوا لها الوقت الضروري للتوصل إلى اتخاذ قرارات سليمة صائبة. لا ينبغي البتة أن يؤدي بكم إضفاء المرونة على الإجراءات إلى غض الطرف عن وجوب مضاعفة اليقظة لتفادي تكرار الانزلاقات الملحوظة هنا وهناك. فلا بد ان تتجسد وظيفة مراقبة تنفيذ الميزانيات بعمل دائم وبتعزيز هياكل التفتيش وتقييم المشاريع. لقد تم فضلا عن الإجراءات الموجهة لتوفير الدعم المباشر لتنفيذ مختلف البرامج تطوير استراتيجية أخرى ترمي إلى مرافقة هذه البرامج افضل مرافقة وبخاصة إلى تزويد الجماعات المحلية بالإمكانيات البشرية الكفيلة بتحسين أدائها. وهكذا تم تعيين 1500 إطار ومهندس ومعماري في الدوائر والمقاطعات الإدارية والبلديات وسيتم تعيين 1000 إطار آخر برسم سنة 2006 مع إعطاء الأفضلية لولايات الجنوب والهضاب العليا.

يجب حتما أن يندرج إنجاز مشاريع التنمية المحلية وبرنامج دعم النمو والبرامج التي تمت مباشرتها في ولايات الجنوب والهضاب العليا ضمن استمرارية برنامج دعم الإنعاش الاقتصادي بغية تعزيز الآثار الإيجابية المسجلة منذ 2001 وذلك ابتغاء لتحسين ظروف وإطار معيشة الساكنة في العمق وعلى نطاق أوسع. إن ما تم تسجيله من نتائج مشجعة حصل على الخصوص بفضل اختيار المسؤولين الذين نفذوا هذا البرنامج والذين لا يفوتني ان أنوه بحزمهم وتفانيهم وكذا بفضل آلية متابعة المشاريع وتقييمها. لقد أسهمت هذه البرامج أيما إسهام في محو الفوارق الجهوية وتحسين ظروف وإطار معيشة السكان كما ساعدت كثيرا على عودة الأمن والسلم والاستقرار في مناطق عاث فيها الإرهاب فسادا.

حضرات السيدات والسادة

لئن ظلت هذه المكاسب مهمة لخوض بلادنا غمار التحديث ضمن المحيط الجهوي والعالمي الجديد فان ذلكم لا يعني إطلاقا أننا تداركنا كافة تأخراتنا في مجال التنمية وأن كافة الظروف باتت متوفرة لضمان الاندماج بعيدا عن خطر حدوث شرخ اجتماعي وإنما يعني بالعكس ان كافة الجهود المبذولة ينبغي ان تبقى موصولة مستمرة كما كنت أقول في إنجاز خطة دعم النمو والبرامج الأخرى المسجلة برسم صندوقي الهضاب العليا والجنوب.

وأمام الطلب الاجتماعي المعبر عنه بات اليوم لزاما التزود بكافة الوسائل لتحديد المشاريع الإضافية بكل دقة المشاريع الكفيلة بتلبية آمال المواطنين وتطلعاتهم المشروعة. بعبارة أخرى، ينبغي لنا اغتنام فرصة هذه البرامج لإعداد أدوات تسيير جديدة واعتماد آليات مرنة وناجعة في إدارة هذه المشاريع. من الأهمية بمكان على وجه أخص أن نرصد ميزانيات لتسيير وصيانة هذه الإنجازات الجديدة والاعتناء بها. كما أنها فرصة كذلك لفتح هذه البرامج أمام القطاعات الاقتصادية من خلال تدابير تحفيزية مثل تسوية مسالة العقار الحضري والصناعي والفلاحي والاستعمال الأمثل للأصول الهامدة وإنعاش الصناعة التقليدية والسياحة. وينبغي إسناد إعادة إنعاش الأعمال والبرامج على المستوى المحلي بإزالة عدد من الإكراهات وهو أمر لا مناص منه لنجاح تنفيذ المشاريع. لا بد من إزالة الإكراهات الكبرى التي تواجهونها يوميا ومرافقتها بإجراءات ملائمة لتعزيز صلاحياتكم من حيث إنكم المحركون الرئيسيون للتنمية على المستوى المحلي.

لذا ينبغي لنا العمل على تحقيق مزيدا من اللاتمركز في تسيير البرامج إذ أنه هو الوحيد الكفيل بتمكينكم من التسوية السريعة قدر المستطاع لما تواجهونه من مصاعب واللاتمركز هذا سيتجسد على الخصوص في:

- توسيع سلطاتكم في الإدارة والتسيير بتكليفكم بمشاريع ذات تسيير ممركز حاليا باستثناء المشاريع ذات البعد الوطني أو الجهوي. على ان يتجسد هذا الإجراء في تحول اختصاصات الأمرين بالصرف الابتدائيين والموارد ذات الصلة إلى مستواكم.

- وضع سائر الاعتمادات الضرورية لتغطية حاجيات تمويل هذه البرامج تحت تصرفكم في بداية السنة المالية وهو ما سيسمح لكم بإنجاز المشاريع المسجلة تحت مسؤوليتكم وفي حدود المخصصات المرصودة.

- القيام باختيار المشاريع وجوبا باشراك الولاية بمراعاة الحقائق المحلية وتوسيع اختصاصاتكم من حيث تحديد الأولويات ومحتوى البرامج. ان مراجعة إجراءات تفصيل البرامج هذه عن طريق نقل هذه الصلاحية إلى مستوى الولاية ووضعها تحت مسؤوليتكم ستسمح بإعداد خطة تنموية متعددة السنوات في شكل عقود برامج على الصعيد المحلي.

وستقتضي هذه العقود البرامج بالتأكيد المساهمة المالية للجماعات المحلية ولا يفوتني في هذا المقام أن أذكركم بالأهمية التي تكتسيها ضرورة الإسراع بمباشرة إصلاح المالية المحلية وإعادة صياغة الجباية المحلية لإعطاء البلديات ما يكفي من إمكانيات تتيح لها النهوض بالمسؤوليات المنوطة بها في مجال التكفل بالمهام الأساسية للخدمة العمومية.

- مطلوب منكم كذلك توفير الظروف الملائمة لخدمة عمومية جيدة وتوفير التجهيزات الجوارية التي تساهم في تحسين الحياة اليومية للساكنة. - كما ينبغي إخضاع المشاريع المسجلة قبل مباشرة تنفيذها لدراسات إنضاج جادة للسماح بإجراء تقييم للتكاليف يكون أقرب ما يكون من الواقع ومن ثمة تفادي ارتفاع التكاليف وامتداد آجال الإنجاز.

- عليكم أن تقيموا خلايا لتأطير المشاريع بغية توفير الظروف لأفضل متابعة وتنسيق وتقييم بالصلة مع أصحاب المشاريع ومكاتب الدراسات ومقاولات الإنجاز.

- أما فيما يتعلق بما تبقى من أصول المؤسسات التي تم حلها فلكم أن تقدموا اقتراحات بخصوص إعادة إدماجها أو تحويلها إلى مرافق إدارية واجتماعية ثقافية.

حضرات السيدات والسادة

إن التحديات التي نواجهها اليوم لا تعني التنمية المحلية وحسب. أنها تعني ميادين عديدة ومتنوعة لها كلها صلة ببعضها البعض وتتصل بالذات بأهداف بناء دولة الحق والقانون حيث يمكن لكل مواطن أن يجد مكانا له في كنف العزة وأن يحظى بالاحترام. ان توفير مناصب الشغل يعد في هذا الصدد أمرا جوهريا لأنه يسمح بمنح كل مواطن الوسائل لصون كرامته وتلبية حاجات أسرته. والمناقشات التي ستدور بينكم اليوم في هذا الشأن تكتسي أهمية بالغة بالنسبة للجزائر وبالنسبة لشبابنا. لقد سمحت البرامج التنموية التي باشرناها منذ 1999 إلى يومنا هذا فعلا بخلق مناصب شغل وتوفير العمل لعدد معتبر من الشباب غير ان المأمول في هذا المجال يظل كثيرا.

يمكننا ان نجعل من تشغيل الشباب أداة للتعبئة وعنصرا من استراتيجية اجتماعية اقتصادية تكفل لشباب بلادنا نساء ورجالا تقديم مساهمتهم في تنفيذ برامجنا وسياستنا الوطنية. لقد سبق ان قلت مرارا وتكرارا ان مواردنا البشرية تشكل رصيدنا الأول للنمو الاقتصادي. لهذا ينبغي حتما ان نعيد المكانة الكاملة للعمل ولإنشاء المؤسسات.

إن الرهان عظيم وينبغي ألا نرصد له ما يجب من إمكانيات معتبرة وكفى بل يجب كذلك التحلي بالإرادة والطاقة اللزمتين لبعث اهتمام الشباب المقاولين ورفع الحواجز وتجاوز الصعاب وتصحيح النقائص التي ألحقت إلى حد الآن الكثير من الضرر بجهود الابتكار وبالسياسات العمومية المتصلة بالتشغيل. لا زال الكثير من العوائق والحواجز بل من العراقيل والمثبطات يكبح المبادرات في مجال إحداث الأنشطة ومناصب الشغل. ان مصالح الدولة والمصالح الإدارية تدخل في عداد هذه العراقيل بسبب الإجراءات التي تثبط عزم الشباب بدل تحفيزهم على خوض غمار المبادرة.

وفي هذا الصدد لا يفوتني ان ألح على ضرورة تمكين الشباب من إنشاء مؤسساتهم ومنحهم لذلك ما يحتاجونه من وقت وهذا عنصر هام من الدينامية الجديدة التي أردنا إضفائها على سياستنا الوطنية لدعم تشغيل الشباب. ذلكم هو بالذات الصعيد الذي ينبغي حقيقة ان نبذل فيه ما استطعنا وأن نحدث فيه شيئا جديدا وهنا يكمن أيتها السيدات والسادة بعد العمل التضامني المنتظر منكم لمساعدة شبابنا من المقاولين على تجسيد مشاريعهم ومواجهة المستقبل.

إنه لمن أوكد الواجبات وهذه واحدة أخرى من مسؤولياتكم ان يلقى شبابنا منكم المساعدة على الخروج من تذبذبهم والإقدام بكل جلاء وعزم على التكفل بمستقبلهم. وألح هنا على ضرورة الإسراع بتجسيد برنامج إنجاز مائة محل في كل بلدية البرنامج الذي سيسمح للشباب لا بشغلها نهائيا فحسب بل على الخصوص بمباشرة نشاط يمكنهم فيما بعد نقله فيتأتى لغيرهم من الشباب الاستفادة من فرص مماثلة للانطلاق. وكلامي هذا يتعلق أيتها السيدات والسادة بشروط تنفيذ الآلية بشكل إجمالي. فهذا البرنامج لا يقتصر على الرجال لكنه موجه كذلك إلى العنصر النسوي الذي ينبغي ان يدمجه وفق نفس الشروط ودون تمييز ولا تحيز. أضف إلى ذلك انه لم يعد لدينا عذر نتذرع به فيما يتعلق بسوء تأطير إدارتنا وخدماتنا العامة ومشاريعنا في بلد يرتاد جامعاته قرابة مليون طالب ويدرس فيه ما يقارب 9 ملايين تلميذ في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي و600000 في التكوين المهني. فهذه المعاينة تستوقفنا عند ضرورة التوصل إلى حلول بغية دمج هذه القدرات في دواليب الإنتاج وإدارة البلاد.

إن آخر ما أقوله في هذا الشأن هو انه ينبغي لنا ان نكون على درجة كبيرة من العناية بما تنتظره منا شبيبتنا خلال هذه الفترة فترة التوترات الدولية الكبرى لذا اهيب بكم ان تعقدوا العزم وتتجندوا لخوض معركة التشغيل التي تعني كل واحد منا.

إنكم تحتلون موقع القلب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأنتم الاقربون من الحقائق المحلية وأنتم المتصرفون في الميدان وإنني أعلم أنكم ستحرصون على إيصال جميع المبادرات التي ستمخض هذا الاجتماع عن اتخاذها لأن شباب بلادنا من المؤهلين أو من حملة الشهادات الجامعية هم كذلك في حاجة إلى مبادرتكم والى تجندكم من أجل التشغيل.

حضرات السيدات والسادة

إن التنمية ليست اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية وكفى. إنها محصلة كل ما ننجزه لخدمة الصالح العام ويتقضي مفهومنا للرقي والازدهار وجوبا التوفر على نظام ينبني على سلوكات جديدة داخل إدارتنا. لقد أضحى حتميا ان تعزز محاربة ما تفشى من ممارسات من مثل الفساد والرشوة والمحاباة والتدخلات التي لا يغتفرها لا المواطنون ولا السلطات العمومية تلك الممارسات التي تشكل السبب الأساسي لتباطؤ إدارتنا وسوء تنظيمها والتي تقوض أركان دولة الحق والقانون وتأتي على ثقة المواطن. يجب ان نضع حدا للسلوكات البيروقراطية التي تجمد المبادرات وتلحق وخيم الضرر باقتصاد البلاد وبالتنمية المحلية. كما يجب ان نضع حدا لغياب الشفافية والتواصل الذي يتناقض والحاجة إلى إدارة ناجعة في خدمة المواطنين والإصغاء لانشغالاتهم إدارة قادرة على حل مشاكلهم وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم إدارة تنهض بمهامها كاملة في خدمة الجماعة.

ذلكم يفترض استفادة المواطنين من معاملة عادلة ومنصفة من قبل الإدارة. وذلكم يفترض كذلك التعرف على الاحتياجات. وقد تعرفنا عليها الآن وإنني اعني في هذا المقام كافة الاحتياجات اليومية في مجالات النقل والرعاية الصحية والتزويد بالمياه والمرافق التعليمية والتمتع بالسكينة والدعة وحسن تسيير الحياة الجماعية والحصول على الكثير من الخدمات المفيدة في الحياة العادية. وأما فيما يتعلق بالسكن وعلى الخصوص بالسكن الاجتماعي في هذا القطاع الذي يعد من اكثر القطاعات حساسية فانه آن الآوان لتوخي القدر الواجب من العدالة الاجتماعية والتبصر والموضوعية عند تخصيص السكنات. ومن باب التذكير أشير إلى وجوب إضفاء النوعية على الخدمة العمومية من حيث هي مظهر من مظاهر ما ينبغي للإدارة ان توليه من احترام وتقدير للمواطنين. ضف إلى ذلك أنه من مصلحة العمل الإداري النزول إلى الميدان الذي يتيح لا الإصغاء المباشر للمواطنين فحسب بل غالبا ما يتيح الفرصة لاتخاذ قرارات ملموسة وفي وقتها وموضعها.

في نفس الوقت على السلطات المحلية التي تظل بحكم رسالتها على اتصال مباشر بالساكنة ان تتولى شرح وتفسير السياسات الوطنية والمحلية وان تسهر على تفعيل آليات التضامن الوطني على احسن وجه لفائدة الفئات الأكثر حرمانا. وبهذا الشأن تظل قناعتي قائمة بأهمية انتظام الاتصال بين أعضاء الحكومة والسلطات المحلية.

حضرات السيدات والسادة

ان تحديث الإدارة من حيث هو تتمة لا مناص منها لمسار الإصلاحات الذي باشرناه سيسمح لنا بتكييف نصوصها وأساليبها وآلياتها لتحسين فعاليتها وتمكينها من التكيف مع المحيط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الوطني.

من ثمة يجب ان يحدو تعديل القانونين المتعلقين بالبلدية والولاية توخي التحديد الدقيق الواضح لاختصاصات المجالس ونقل الاختصاصات والاعتمادات وفق تصور متقدم للامركزية وفك التمركز. ولما كانت الجزائر قد قطعت شوطا بعيدا في مجال استرجاع السلم وتحقيق المصالحة الوطنية بين كافة أبنائها فانه لا يمكنها ان تظل على هامش المجتمع العالمي وألا تنفتح تمام الانفتاح على التطور والرقي.

إننا نملك ولله الحمد ما يتطلبه ذلك من الموارد البشرية والموارد المالية. لذا فقد آن الأوان لنجعل من تسيير موارد الإدارة البشرية وخصوصا موارد المصالح البلدية شغلنا الشاغل وسياسة دائمة تشجع إدماج الشباب وتمكنهم من تحمل قسطهم من المسؤولية في المجتمع.

لا مناص من إنشاء منظومة جديدة للتسيير الحضري تكرس مبدأ وحدة المدينة التي تمارس كافة المسؤوليات البلدية وتضمن لها وحدة تسييرها وتهيئة فضائها وتنميتها مع جعل المواطنين يستفيدون في نفس الوقت من إدارة جوارية توفر لهم ما يحتاجونه من خدمات أساسية. ويمكننا بذلك تخليص مدننا من الأمراض والآفات التي تنخر جسمها مثل اللاأمن وانعدام النظافة والسلامة وانتشار أحياء الصفيح ومخاطر السكن غير اللائق والارتفاق العشوائي بالفضاءات التي يمكن استعمالها لإنجاز مرافق تعود بالخير والنفع على المواطنين.

ويتعين عليكم لهذا الغرض الشروع في تكثيف المصالح الإدارية ومختلف مصالح الشرطة الجوارية وتعزيز وسائل الأمن العام وتدعيم جهود مصالح الشرطة والدرك. ان الوظيف العمومي يمثل عاملا متميزا في الاتصال بين الدولة والمجتمع وتتوقف عليه نجاعة التسيير العمومي وعصرنته ان التكفل بتطوير وظائف التفكير والتحليل والتصميم وبترقية التأطير القادر على استيعاب الرهانات وإدماجها ضمن السياسات العمومية مع متابعة ضمان تنفيذها يجب ان يكون ضمن الاهتمامات الأساسية للإصلاحات الجارية.

لقد قررنا إعادة تثمين الأجور في المؤسسات والإدارات العمومية في انتظار عملية إعادة الانسجام في نظام الأجور للوظيف العمومي والتي ستتم في إطار تطبيق القانون الأساسي الجديد للوظيف العمومي والقوانين الأساسية النموذجية المنبثقة عنه وقد خصصنا لذلك غلافا ماليا ثانويا قدره 98 مليار دج. أما في القطاع الاقتصادي فان عملية التشاور الجارية حاليا بين الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتنظيمات أرباب العمل بخصوص مراجعة الاتفاقيات القطاعية من شأنها ان تؤدي كذلك إلى إعادة تثمين شبكة أجور العمال وفقا للمعايير المعتمدة دوليا ووطنيا في هذا المجال والمتمثلة في نسبة النمو والإنتاجية ونسبة التضخم كأركان ثلاثة لا غنى عنها. كما يتنم ضمن الإطار التشاوري الثلاثي نفسه إعادة تثمين الأجر الوطني الأدنى المضمون.

ان حماية وتحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين استرعت هي الأخرى كل اهتمامنا فقررنا بالنسبة لهذه الشريحة استحداث علاوة تكميلية لمعاشات التقاعد والعجز التي تقل عن عشرة آلاف دينار (10.000 دج) وذلك بهدف رفعها إلى هذا المستوى وان هذا الإجراء سيستفيد منه حوالي 900000 من المتقاعدين والمستفيدين من معاشات العجز. كما أدعو الحكومة لاتخاذ كل الإجراءات التي تهدف إلى تعزيز نظام التقاعد وضمان استمراريته في ظل التحولات المتوقعة سواء في المجال الاقتصادي أو الديمغرافي إذ ان التوقعات تشير إلى ان عدد المسنين الذين تتجاوز أعمارهم 60 عاما سينتقل من 5 بالمائة سنة 2004 إلى 15 بالمائة مع مطلع سنة 2030.

وتوازيا مع هذا التطور الديمغرافي الطبيعي ينبغي ان لا ننسى ان عدد المتقاعدين مؤهل للزيادة باستمرار بوصول أجيال اكثر عددا إلى مرحلة التقاعد وهي الأجيال التي دخلت الحياة المهنية خلال السبعينات وبداية الثمانينات. لذلك وبغرض الحفاظ على نظام التقاعد ومواجهة مشاكل التمويل التي قد تطرح فان الحكومة مدعومة لاتخاذ الإجراءات اللازمة بهدف إنشاء صندوق لاحتياطات التقاعد للتكفل بالصعوبات المالية التي قد تهدد نظام التقاعد ولضمان الدخل التعويضي للأجيال القادمة.

حضرات السيدات والسادة

لن أختتم كلمتي دون التذكير كما سبق ان فعلت في بداية تدخلي بأهمية وأولويات الرهانات المتصلة بالسلم وبالمصالحة الوطنية بما تفتحه من آمال بالنسبة لمستقبل بلادنا ومن آفاق واعدة بالنسبة لبنات هذا الوطن وأبنائه. ان إفاضة المصالحة الوطنية والعودة إلى السلم اللتين يتعين عليكم تجسيدهما بالسهر على تطبيق التدابير المتخذة في هذا المجال تسوغان لنا ان نكون على قدر اكبر من الطموح وان نمضي قدما في سياستنا وفي برامجنا التنموية. ولئن تطرقت لسائر هذه المواضيع التي تشغلنا فذلك لأقول لكم ان تنمية بلادنا لا يمكنها ان تقتصر على الميدان الاقتصادي فحسب بل أنها تشكل كلا لا يتجزأ تتداخل فيه كافة جوانب الحياة العادية الأخرى التي من دونها يبوء كل عمل تنموي بالإخفاق والفشل.

بهذه التوجيهات أردت على الخصوص أن أقول لكم ان الدينامية التنموية التي أطلقناها باتت بلا رجعة وستستمر بل ستتوسع وأجزم لكم كذلك بملئ قناعتي وايماني الراسخ بمستقبل الجزائر أن ما عرفناه من تأخر اجتماعيا واقتصاديا يمكن ان يتقلص ويستدرك بعون الله. ان نجاح هذه البرامج التنموية يتقضي تجند الجميع والتحلي بروح مواطنة صادقة. لذا أولي عناية خاصة لمناقشاتكم التي ستكون وأنا على يقين من ذلك مثمرة وبناءة. والأمر سواء بالمسبة لما ستتمخض عنه من الاقتراحات التي ستسمح لنا بالاستجابة الملائمة للتطلعات المشرعة لشعبنا ولشبابنا على وجه الخصوص.

أشكركم على كرم الإصغاء

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 

هذه الكلمة الكاملة التي ألقاها رئيس الجمهورية بمناسبة إفتتاح الندوة الوطنية للمحامين فيما يلي نصها كاملا:
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الى يوم الدين
أصحاب الدولة والمعالي والسعادة
السيد رئيس الإتحاد الوطني للمحامين
السيدات والسادة الضيوف الكرام
السيدات السادة الحضور
من دواعي الغبطة أن أكون بينكم اليوم إستجابة لدعوتكم الكريمة لحضور الندوة الوطنية للمحامين التي شرفتموني بافتتاحها والتي أعتبرها محطة هامة لممارسي المهنة حيث يطرحون إنشغالاتهم ويسعون الى تحقيق تطلعاتهم في إطار القانون الذي نظم مهنة المحاماة. وما من شك في أن هذه الندوة ستمكنكم من تدارس المسائل المهنية والقانونية والتنظيمية التي من شأنها ترقية هذه المهنة ودعم حقوق الدفاع لما لهذه المسائل من إرتباط وثيق بمفاهيم الحق والحرية وبالمساواة والعدل وما تسترعيه من إهتمامات وما تقتضيه من أمانات لكونها متصلة مباشرة بالوجود الإنساني ومرتبطة إرتباطا وثيقا بما له من نفس ونفيس.

وإذا كان من المفروض أن يكون هذا الدور دورا يتقاسمه كل مواطن يشعر بمسؤوليته

فإن المحامي بحكم موقعه أجدر بأن يكون في الطليعة من أجل تثبيت مبادئ الحق والعدل وصيانتها وحمايتها فهو المدافع والمنافح عن الحقوق والحريات الشرعية والقانونية.

أيتها السيدات أيها السادة

تنعقد هذه الندوة متزامنة مع ذكرى من ذكريات الجزائر المكافحة وهي ذكرى استشهاد المناضل الأستاذ علي بومنجل رحمه الله في 23 مارس 1957 وإن ذلكم لعمرى تعبير عميق من اتحاد المحامين عن الوفاء بالعهد لرجال ونساء أخلصوا لوطنهم الغالي فقدموا له أغلى ما أدخروا وأقدس ما ملكوا.

إن الأستاذ على بومنجل كان واحدا من الكثيرين الذين قدمتهم أسرة المحامين قربانا على مذبح الحرية والشرف. وهو مثال للجزائري الحر الذي رفض أن يعيش شعبه في ظل المذلة والهوان وتحت القهر والإحتلال فلم يتوان في ترك حياة الدعة وبحبوحة الع

وقد واكبت التطور الحاصل في الجانب التشريعي منجزات هامة في مجالات توفير

وترقية الموارد البشرية والتكوين وعصرنة القطاع ومده بالوسائل والتكنولوجيا الحديثة للقيام بمهامه على أحسن وجه. الامر الذي يطمئننا على مسار إصلاح العدالة باعتبار المرحلة المنجزة هامة للغاية. لكننا نجزم بأن هذا القطاع الحساس ما يزال بحاجة الى المزيد من جهود نسائه ورجاله المخلصين. ويحدونا أمل عريض ورغبة راسخة في أن يبسط سل كل النجاح والتوفيق كل التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".