بوتفليقة في ذكرى تأميم المحروقات :

يجب على الجزائر أن تكف على التعويل على الريع البترولي

ألقى رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة اليوم الخميس خطابا بمناسبة إحياء الذكرى الـ 50 لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين فيما يلي نصه الكامل:

" بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف

المرسلين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين

السيد الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين

أخواتي العاملات إخواني العمال

حضرات السيدات والسادة

إنه لسرور غامر هذا الذي يملأ صدري وأنا أشارك باسم الامة في إحياء الذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين.

وإنني كلي غبطة وسعادة وأنا ألتقي بكم في هذا اليوم الأغر الذي هو ذكرى ليوم من أيام شعبنا يوم مرجعي في تاريخ بلادنا لا من حيث الكفاح الذي خضناه ضد الاستعمار من أجل استرجاع السيادة الوطنية ولا من حيث الجهد النفيس الذي نبذله قصد بناء دولة عصرية وقوية و مزدهرة.

يأبى علي الواجب إلا أن أغتنم هذه المناسبة السعيدة لأعبر مرة أخرى للشعب الجزائري الأبي عن جميل شكري وعرفاني لما لمست لديه من طيب المشاعر وصدق المواساة أثناء الفترة العصيبة التي مررت بها والتي خرجت منها سالما معافى بفضل الله ورحمته التي وسعت كل شيء.

لقد وجدت في دعائكم لي بالشفاء وفي مشاعركم الصادقة السند المتين الذي استعنت به لتخطي تلك المحنة التي أثبتت مرة أخرى ما يتمتع به الشعب الجزائري من نضج ووعي عندما تواجهه الشدائد وما يتحلى به من تعاطف وإخلاص في مؤازرة البررة من أبناء وطننا العزيز في السراء والضراء في صمت وثبات.

فإليكم جميعا أزف مشاعر أخوتي واحترامي وتقديري لنبل مشاعركم وصدق وفائكم

للأخوة التي تجمع بيننا.

أيتها الأخوات أيها الإخوة

لقد شكل تأسيس هذه المنظمة الوطنية سنة 1956 منعطفا حاسما في ملحمة كفاحنا

التحرري منعطفا مكن العمال الجزائريين الذين كانت جموع غفيرة منهم قد انخرطت بعد في صفوف جيش التحرير من اقتحام المجال النقابي تعزيزا للكفاح في سبيل الاستقلال.

والتطور الاستراتيجي هذا الحاصل بأمر من جبهة التحرير الوطني شأنه في ذلك شأن ما حصل بعد ذلك مع شرائح أخرى من مجتمعنا من مثل الطلبة والتجار قد حقق أهدافه وآتى أكله.

فتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين قد أكد استقلالية قرار ثورتنا التي مع استفادتها من التضامن السخي للاشقاء والاصدقاء عبر العالم عقدت العزم على أن تبقى ثورة يقودها الجزائريون لصالح الجزائر لا غير.

كما أن الاتحاد العام للعمال الجزائريين ساهم مساهة ناجعة مع أنها سلمية في جعل الرأي العام العالمي علي بينة من أن ثورة غرة نوفمبر 1954 المجيدة لم تكن سوى هبة أمة بأسرها أمة عقدت العزم على افتكاك حقها في الحرية وأخذه غلابا.

وستتوالي بالفعل الاضرابات الوطنية من مثل إضرابي 5 يوليو وأول نوفمبر 1956 مشكلة محطات فارقة في سير كفاحنا السياسي العسكري. أما إضراب الثمانية أيام التاريخي الذي تم شنه في بداية سنة 1957 فقد أسهم أيما إسهام في طرح القضية الجزائرية على بساط النقاش ضمن منظمة الأمم المتحدة كما دون صفحة جديدة في سجل تضحيات ومعاناة شعبنا تحت نير ألاستعمار.

إن تجند العمال الجزائريين وإن كان سلميا قد قوبل باستشراء شراسة القمع الاستعماري فقد أذيقت عشرات الآلاف من المواطنين لمجرد القيام بالإضراب ويلات السجن و التعذيب والمعتقلات وأزهقت أرواح الآلاف منهم أثناء ذلك.

ورمز تلك البطولة وتلك التضحيات سيظل متجسدا في أخينا الشهيد عيسات إيدير الذي كان أول مسؤول للاتحاد العام للعمال الجزائريين والذي تعرض رغم تبرئة ساحته من قبل القضاء للسجن مجددا ثم للاغتيال في يناير 1959 الجريمة البشعة التي حاول جلادوه القتلة تحويلها إلى "وفاة" مثلما حاولوا تحويل اغتيالات أخرى مثل تلك التي طالت الشهيدين العربي بن مهيدي وعلي بومنجل إلى "انتحار".

وهكذا وحتى عشية الاستقلال ساهم عمالنا الأشاوس في التضحيات الجسام التي تجشمها شعبنا في سبيل تحرير الوطن. فقد كانت إحدى أواخر الجرائم الجماعية التي اقترفها الاستعمار هي تلك المجزرة الشنيعة التي نفذتها منظمة الجيش السري في حق مئات العمال في ميناء الجزائر العاصمة يوم 2 مايو 1962 غداة الاحتفال بعيد العمال عبر العالم.

إننا نقف اليوم وقفة ترحم وخشوع أمام أرواح كافة شهداء ثورة أول نوفمبر 1954 الأبرار. واستحضارا للإسهام المشهود الوقع الذي قدمه العمال في هذا الكفاح التحرري نشارك اليوم عرفانا من الأمة في إحياء العيد الخمسين لتأسيس منظمتهم النقابية.

أيتها الأخوات أيها الإخوة

في مثل هذا اليوم من سنة 1971 استرجعت الجزائر دولة وشعبا حق التصرف في ثرواتها.

وإذ نحتفل اليوم بالمناسبتين فإن أقل ما نقدمه تعبير على عرفاننا للاتحاد العام للعمال الجزائريين هي هذه المشاعر التي تغمرنا لكون الاتحاد منظمة تستمد جذورها من صلب الحركة الوطنية ولها مسيرة تاريخية مشهودة ولكونها كذلك رافقت تشييد الدولة الوطنية وبناء المجتمع المتراحم العادل استجابة لتطلعات شعبنا عند خروجه من غياهب الاستعمار البغيض.

إن العلاقة العضوية التي تربط بين الحركة النقابية والحركة الوطنية من جهة وبين معركة التشييد الوطني من جهة أخرى نراها تتجلى بوضوح في المواقف الثابتة والشجاعة دفاعا على الجمهورية وفي الاتزان وروح المسوؤلية العالية التي تحلى بها الاتحاد وهو يرافق مسار الاصلاحات التي شملت الاقتصاد الوطني وعبر كل المراحل الحساسة والمصيرية من حياة البلاد.

أيتها الأخوات أيها الإخوة

بلسان يتشرف بما يقول أحيي العاملات والعمال الجزائريين وأحيي كفاحهم والتضحيات

الجسام التي قدموها إبان عهد الاستعمار وأثناء حرب التحرير وطوال فترة بناء الدولة الجزائرية الحديثة وأنا على يقين من أنهم على العهد باقون في وضع المصالح العليا للوطن فوق كل اعتبار وبأنهم واعون بأنهم يمثلون قوة فاعلة ومفيدة في المجتمع وأنهم يتقاسمون مع القوى الحية الأخرى مسؤولية الحفاظ على استقرار الدولة وتنمية البلاد.

إن ماضي اتحادكم المشرق هو الذي أهله بصورة طبيعية ليكون بعد استعادة الاستقلال إطارا لتعبئة العمال لخوض مسار البناء والتشييد الذي انهمكت فيه بلادنا بكل حزم وهمة على امتداد عقدين من الزمن.

بعدها ووفاء بالتزاماته الوطنية تجند الاتحاد العام للعمال الجزائريين على الدوام من أجل الحفاظ على الجهاز الانتاجي الوطني. وقد تجند بوجه أخص خلال المأساة الوطنية الوخيمة في الحفاظ على اقتصاد البلاد رغم الصعاب المتعددة ورغم ما اقترفه الإرهاب من عمليات التخريب الإجرامية. وقد رزئت الجزائر خلال تلك المحنة التي جاءت لتزيد الطين بلا في العديد من الشهداء من العمال والنقابيين ومنهم أخونا الشهيد عبد الحق بن حمودة.

أخواتي العزيزات إخواني الأعزاء.

إن المناسبات الاحتفائية هي محطات للترحم على أرواح إخواننا الذين جادوا بأرواحهم فداء لتحرير الوطن. وهي كذلك محطات متميزة نعود فيها إلى النهل من ماضينا البطولي ونشحذ هممنا لبناء مستقبل البلاد.

إن بناء جزائر العزة والكرامة والرخاء وضمان مستقبل تسوده السعادة والسلم لشعبنا إنما هو أفضل ما نكرم به شهداءنا الأبرار. ومن منطلق هذه الروح فإنني أغتنم هذه المناسبة كي أخاطب عالم الشغل الذي أخصه هو والأمة جمعاء بالتحية والتبجيل حول طبيعية ومدى التحديات التي يجب علينا أن نواجهها في هذه المرحلة من مسار التقويم الوطني.

إن بلادنا هي بفضل الله ومنته وبفضل شجاعة الشعب الجزائري وبصيرته بصدد تجاوز المأساة الوطنية التي ألمت بها. وهي مقبلة على تكريس المصالحة الوطنية وعلى توحيد الصفوف وتحرير طاقاتنا الوطنية تحريرا كاملا.

لقد استعدنا في غضون السنوات الأخيرة الأمن وعلى أوسع نطاق عبر سائر ربوع

الوطن وكسرنا طوق المقاطعة الجائرة التي فرضت على بلادنا فرضا خلال التسعينيات.

لقد استعادة الجزائر صفة الطرف الفاعل ذي الاعتبار في العلاقات الدولية وهي تعمل بكل عزم وهمة من أجل تحريك تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.

والحاصل هو أن الجزائر قد تحولت من 1999 إلى ورشة مترامية الأطراف بفضل تجند عمالنا الذين هم بناتها وتوثب شعبنا الذي يستفيد من ثمارها عاما بعد عام.

لكنه من المفيد دائما بالنظر إلى ما يعتري الأذهان من نسيان وبالنظر إلى التذمر الذي ينجر عن النقائص المطلوب سدها وبالنظر إلى الخطاب الانهزامي والمتشائم من المفيد دائما التذكير ببعض الأشواط التي تم قطعها بعد على درب إعادة الإعمار الوطني.

إننا لم نخلف لنا موعدا مع النمو على امتداد سبع سنوات بأكملها بفضل سياسة استثمار عمومي ما انفكت تتصاعد وتيرتها إذ فاقت قيمته الإجمالية 000 3 مليار دينار بين 1999 و2004 وبفضل تشجيع الاستثمار الخاص الجزائري والأجنبي الذي فاق 2.300 مليار دينار.

وعلى امتداد سبع سنوات تمت تدريجيا تلبية الحاجيات الاجتماعية للساكنة وإن كانت هذه التلبية لم تف بعد بداهة بكل ما هو مطلوب بالنظر إلى جسامة التأخر المتراكم وللحاجيات المتعاظمة.

فعلى سبيل المثال وفي ميزانية 2006 ارتفت القيمة الاجمالية للمخصصات الاجتماعية

المقدرة بٍ512 مليار دينار قد ارتفقت بنسبة 14 % مقارنة بما كانت عليه في سنة 2005 وهو ما يمثل 20 % من الميزانية العامة للدولة وما يقارب 10 % من الثروة الوطنية أي من الناتج الداخلي الخام.  

ومن باب الدقة أقول إن المخصصات الاجتماعية هذه لا تشمل ضروب "الدعم الضمني" التي تمنحها الدولة خاصة لدعم أسعار المياه والكهرباء والغاز والوقود والتي تبلغ 233 مليار دينار.

ولقد تم تحجيم أزمة السكن التي بدأت تتراجع بفضل إنجاز ما يربو عن 950.000

مسكن منذ 1999 وهو ما يمثل نسبة 16 % من مجموع الحظيرة الوطنية من السكنات.

وتعززت المدرسة الجزائرية بأكثر من 3000 مؤسسة جديدة تمثل نسبة 16 % من

مجموع المؤسسات منها 350 ثانوية وأكثر من 800 مدرسة أساسية. كما شهدت السنوات

السبع الأخيرة تحسنا لظروف تمدرس أبناء العائلات المعوزة أو المعزولة بفضل تسلم أكثر من 230 داخلية أي ربع (1/4) الداخليات الموجودة من ذي قبل وكذا 850 مطعما مدرسيا وهو ما يمثل زهاء نصف القدرات الوطنية في هذا المجال.

وأما الجامعة فإنها وثبت وثبة حقيقية إلى الأمام مع تسلم 390.000 مقعد بيداغوجي أي 58 % من الحظيرة الوطنية الإجمالية و160.000 موقع إقامة أي 53 % من المجموع و118 مطعم جامعي أي 40 % من مجموع ما تتوفر عليه بلادنا في هذا المجال.

إن تزويد الساكنة بالمياه أصبح أولوية وطنية وكان محل مجهود استثنائي لم يحقق بعد كامل النتائج المأمولة. وسأذكر في هذا الباب تسليم 19 سدا أي ثلث (1/3) الحظيرة الوطنية الإجمالية وبرمجة وإطلاق مشاريع وحدات كبرى لتحلية مياه البحر على امتداد الساحل خاصة في غرب البلاد الذي يعاني نقصا مزمنا في الأمطار.

من جهة أخرى تم توصيل 450.000 بيت إضافي بالكهرباء خلال السنوات السبع الأخيرة وهو ما جعل التغطية الكهربائية في بلادنا تقارب نسبة 96 %. هذا في حين تم في ذات الفترة إمداد 670.000 بيت بالغاز بنسبة 44 % مما تم إنجازه منذ الاستقلال.

وفي الميدان الرياضي فإن ثلثي (2/3) مجموع الملاعب والقاعات المتعددة الرياضات

في البلاد تم انجازها خلال السنوات السبع الأخيرة.

وفي الواقع إن قائمة الانجازات إنجازاتنا خلال السنوات السبع الفارطة هذه طويلة للغاية. وسأقتصر على ذلك بعض الأمثلة الشاهدة على الجهود التي تجشمتها بلادنا بعد لتدارك تأخرها وإنعاش تنميتها الاقتصادية وتحسين الظروف الاجتماعية للساكنة.

أخواتي العزيزات إخواني الأعزاء

بني وطني الأعزاء

إن قصدي في هذا المقام ليس تقديم حصيلة مفصلة للانجازات خاصة وأن المجهود لا زال متواصلا في إطار التعهدات التي أخذتها على نفسي أمام الأمة. فأنا ما أروم من وراء التذكير ببعض ما تم إنجازه خلال السنوات الأخيرة سوى تعزيز ثقة مواطنينا في أن المقبل من الأعوام سيشهد نتائج أفضل وأفضل.

إن اختيار السلم والمصالحة الوطنية الذي زكاه الشعب صاحب السيادة تزكية صريحة لا شائبة فيها يوم 29 سبتمبر الماضي والذي سيتم إصدار نصوصه التطبيقية قبل نهاية هذا الشهر سيعزز حتما الأمن والتلاحم الاجتماعي بما يرسي مناخا أكثر مواءمة لاندمال الجروح التي خلفتها المأساة الوطنية ولتحريك جهودنا التنموية.

إن شركاءنا الأجانب أخذوا يتحررون هم كذلك أكثر فأكثر من التردد ويدركون أخيرا ما يتيحه لهم الاستثمار المنتج في الجزائر من فرص.

لكننا نعول أول ما نعول على إرادتنا وإمكانياتنا ومجهوداتنا لتعجيل تنمية بلادنا ولتأمين مكانتها الحقة على الساحة الدولية. وقد أبانت الدولة فيما يخصها بكل وضوح عن اختياراتها الاستراتيجية وعما عقدت عليه العزم في هذا السبيل.

فالحال هو أن الدولة ستنفق خلال الفترة الممتدة ما بين 2005 و2009 ما يقارب 6000 مليار دينار أي ما يفوق 80 مليار دولار كنفقات عمومية استثمارية وهو ما يمثل ضعف ما تم إنفاقه خلال السنوات السبع الماضية. ويشمل هذا المبلغ أول ما يشمل مخصصا قيمته 4.200 مليار دينار مرصودا للبرنامج الخماسي لتعزيز الإنعاش الاقتصادي المقرر العام الماضي ثم مخصصا يفوق 1000 مليار دينار لتمويل البرنامج الساري إلى نهاية سنة 2004 وأخيرا ما يقارب 800 مليار دينار مخصصة للبرامج التكميلية لولايات الجنوب ولولايات الهضاب العليا.

وسأعفيكم في هذا المقام من ذكر القائمة التفصيلية الطويلة للانجازات التي تتحقق مقابل إنفاق هذا المبلغ لكن لابد لي من توضيح أن المجهود الوطني هذا سيتم كلية بتمويل ذاتي من قبل بلادنا ذلك أننا قررنا منذ بداية العام الفارط عدم اللجوء إلى الاستدانة في الخارج والقيام كذلك بالتسديد المكثف لديوننا الخارجية.

إن أزمة المديونية التي وسمت العشرية الماضية بميمها قد كشفت بالفعل مدى هشاشة اقتصادنا. هذاالاقتصاد الذي عانى بسبب ارتهانه الفادح بالمحروقات أيما معاناة من انهيار السوق النفطية ابتداء من 1986. وقد أجبرته الضائقة المالية إلى اللجوء الفاحش إلى الاستدانة الخارجية قصد استيراد السلع الاستهلاكية الاساسية فساهمت بالتالي في اختلال طويل الأمد لتوازناته الأساسية.

إن العبء القاصم للمديونية الخارجية لم يحد من النمو فحسب - علما أن نسبة النمو كانت سلبية على امتداد الفترة 1986 - 1994 كلها أو تكاد - بل حد كذلك من حرية اختيار الجزائر مما أدى ابتداء من 1994 إلى اعادة جدولة الديون الخارجية وما نجم عنها من تطبيق برنامج للتعديل الهيكلي لا تزال آثاره محسوسة لا سيما فيما يخص الاقتطاعات الصارمة من النفقات الاجتماعية وفقدان مناصب الشغل.

إن الجزائر أخذت على عاتقها استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي من حيث هو شرط جوهري للانطلاق في التقويم الاقتصادي للبلاد.

وما إن تحققت عودة التوازنات الأساسية أرست السلطات العمومية اختيارها ابتداء من 2000 - 2001 على خيارين استراتيجيين.

تمثل الخيار الأول في التحكم في المديونية الخارجية لإبعاد خطر السقوط من جديد في وضعية الهشاشة التي سبق وأن عشناها. وهذا يعني أولا الحد قدر الإمكان من اللجوء للاستدانة الخارجية وتمويل كافة النفقات من مواردنا الخاصة.

ويعني بعد ذلك تقليص عبء المديونية بالعمد ما أمكن إلى تسديدها قبل الموعد لهذا انخفض ما تبقى من المديونية الخارجية من 28,1 مليار دولار في سنة 1999 إلى 15,7 عند نهاية يناير 2006 وسيصل إلى 13,9 مليار دولار عند نهاية مارس 2006. وقد سمحت سياسة التخلص من المديونية هذه بتخفيف أعبائها التي كانت ستكون مجحفة في حق الأجيال الآتية.

أما الخيار الاستراتيجي الثاني فقد تمثل في تسخير معظم الموارد الإضافية التي يوفرها الظرف النفطي المواتي لتمويل مشاريع تجهيز عمومية ولتعزيز النمو ريثما يصبح الاستثمار المنتج العمومي أو الخاص مدرا للنمو.

من ثمة أطلقت الدولة في سنة 2001 برنامج دعم الإنعاش الاقتصادي بمبلغ 7 ملايير دولار ثم بادرت بالنظر لنتائجه المشجعة إلى استكماله ببرنامج أكثر طموحا مبلغه 60 مليار دولار بالنسبة للفترة 2005 - 2009.

إخواني أخواتي الأعزاء

أيتها المواطنات أيها المواطنون

إن النتائج الاقتصادية والمالية الجيدة المحصلة خلال الفترة 2000-2005 بفضل مخطط الانعاش الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط تتجلى من خلال التحكم في التضخم وإبقائه في مستوى جد منخفض والعودة الحثيثة إلى النمو الاقتصادي والتعزيز القوي للموقع المالي الخارجي وتحسين المالية العمومية.

إن التحكم في التضخم تأكد في سنة 2005 بمعدل سنوي لا يربو عن 1,6 مقابل 3,6 % سنة 2004 معدل كان أقبل بكثير من نسبة التضخم المسجلة في سنة 1995 والتي قاربت 30 %.

لقد كان إنعاش النمو الاقتصادي ملموسا للغاية ومنتظما خلال السنوات الأربع الماضية التي تجاوزت نسبة النمو خلالها 5 % بفضل توسع قوي لقطاع المحروقات بل وكذلك لقطاعات البناء والأشغال العمومية والخدمات والفلاحة.

إن ارتفاع أسعار المحروقات ومن ثمة ارتفاع الجباية النفطية يفسران الأداء المتميز للمالية العمومية الذي تجسد في فائض ميزاني معتبر سنة 2005.

إن تعزيز الموقع المالي الخارجي للبلاد يتجلي بكل وضوح في مواصلة تراكم

الاحتياطات الرسمية للصرف تراكما مكثفا وفي الانخفاض الملموس للمديونية الخارجية على المديين المتوسط والبعيد.

حقا ان الاحتياطات التي كانت تبلغ 4,4 مليار دولا في نهاية 1999 تضاعفت عشر مرات في ظرف 5 سنوات رغم ضخامة التسديدات المسبقة التي تعد خيارا طوعيا لتعزيز

استقلال قرار البلاد ومصداقيتها في العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية.

وقصارى القول إن الوضع المالي الخارجي للجزائر الذي كان إيجابيا عند نهاية 2005 سيتحسن أكثر في 2006 مما يواتي استقرار سعر الصرف الفعلي للدينار ويقلص من هشاشة الاقتصاد الجزائري أمام الصدمات الخارجية التي يظل حصولها واردا وممكنا.

أيتها السيدات أيها السادة

لقد سمحت سياسة الانفاق الاجتماعي النشطة والسخية المترادفة مع الزيادة القوية لنسبة النمو بتحقيق تقدم ملحوظ لأهم مؤشرات التنمية البشرية.

ففي مجال التشغيل توصلنا إلى قلب المنحى الذي كان آيلا إلى تفاقم البطالة قلبا تاما. بالفعل إن عدد العاطلين عن العمل انخفض بمليون فرد حيث نزل من 2,5 مليون سنة 1999 إلى 1,5 مليون سنة 2005. وبالتالي تراجعت نسبة البطالة بقدر معتبر خلال السنوات الخمس الماضية بحيث بلغت 15,3 % في 2005 حسب آخر تحقيق أجراه الديوان الوطني

للإحصائيات في سبتمبر 2005 بينما كانت تقارب 30 % في سنة 1999.

وفي مجال الصحة شهدت نسبة وفيات الأطفال وهي مؤشر صحة الأم والطفل تراجعا

منذ سنة 2000 إذ انخفضت من 36,9 في الألف إلى 29,4 في الألف في 2005. أما فيما

يتعلق بالعمل المؤمل بعد الولادة فقد ارتفع بما يعادل 3,6 سنة منتقلا من 71,7 سنة في 1998 إلى 75,3 سنة في 2005.

في ميدان التربية تم إلحاق الأطفال من سن السادسة بالمدارس بصفة تامة أو تكاد سنة 2005 في حين كانت الفئة الأمية لا تمثل أكثر من 26,5 % من مجموع الساكنة مقابل أزيد من 30 % سنة 1999.

إن الدخل السنوي للفرد بعد أن شهد انخفاضا ملموسا خلال التسعينيات تضاعف أكثر من مرتين في الفترة 1999 - 2005 ليرتفع من 108.066 دينار في 1999 إلى 228.500 دينار في 2005.

أخواتي العزيزات إخواني الأعزاء

بني وطني الأعزاء

إن ما فرغت منذ حين من سرده من معطيات يبين أن الدولة التزمت بكل دقة ومنهجية

بترقية نمو اقتصادي قوي ومستدام قمين بأن يضمن تحسينا متواصلا لظروف معيشة المواطنين.

غير أن بروز اقتصاد قادر على التنافس ومجتمع مزدهر يعد تحديا كبيرا يتطلب

مساهمة الأمة برمتها.

لنحذر ونحن نمر بهذه الفترة من اليسر المالي النسبي من الانسياق مرة أخرى وراء الإغواء الديماغوجي والميل إلى ما هو أسهل واللهث المطلق العنان وراء الكسب في حين أن الظرف الراهن لسوق المحروقات يحتمل أن ينقلب رأسا على عقب بين لحظة وأخرى.

لقد سبق لبلادنا أن مرت بفترات مواتية من حيث أسعار المحروقات لكنها سبق لها أيضا أن دفعت الثمن باهظا من جراء عدم التبصر واستباق الأمور الذي تسبب لها في مصاعب مالية جسيمة وما أدخلها في دوامة من الاضطرابات وكان إلى حد ما سببا من أسباب المأساة الوطنية.

وعليه فإنه من واجبنا أن ننظر إلى المستقبل آخذين في الحسبان كافة حقائقنا بما فيها تلك التي تنشرح لها الأنفس والتي أتيت بسردها وتلك التي تبعث على التوجس والتي أرى لزاما علي أن أكشفها أمامكم وأمام الأمة.

ففي المقام الأول إن صادراتنا من غير المحروقات ظلت تراوح مكانها دون أن تبلغ مليارا واحدا من الدولارات سنة 2005 في حين أن ورادتنا زادت بأكثر من الضعف خلال السنوات السبع الماضية إذ ارتفعت من 9,5 مليار سنة 1999 إلى أكثر من 20 مليار دولار سنة 2005.

وفي المقام الثاني وإلى غاية يومنا هذا فإن جملة إيرادات الجباية العادية خارج المحروقات لا تسمح سوى بمواجهة النفقة العمومية الموجهة لأجور الموظفين ودفع المعاشات والمنح العائلية وبتسيير المستشفيات بما لا يغطي بصعوبة سوى 40 % من ميزانية تسيير الدولة لا أكثر.

في المقام الثالث إن المديونية الداخلية للدولة التي بلغت 1000 مليار دينار والتي نجم معظمها عن التطهير المالي للمؤسسات العمومية ستتزايد لا محالة بما يقارب 200 مليار دينار لمحو المستحقات المالية التي تراكمت من جديد على هذه المؤسسات العمومية ذاتها . إن هذا المبلغ المبين حاليا في حصيلات البنوك يعيق القدرة الوطنية على تمويل الاستثمار المنتج في الوقت الذي تعاني فيه العديد من المؤسسات العمومية صعوبات جساما لدرجة أنها أصبحت عاجزة عن دفع أجور عمالها.

أخيرا وفي المقام الرابع إن انضمامنا إلى منظمة التجارة العالمية سوف لن يتأخر في حين بدأ العمل بإتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وهو ما يؤدي بنا من دون شك في غضون عشر سنوات لا أكثر إلى إقامة منطقة تبادل حر دون حماية تعريفية لمعظم انتاجنا . إن هذا الوضع يستوقف كافة مؤسساتنا التي ينبغي لها أن تستعد لخوض معركة التنافسية وكسبها .

والتحديات الحيوية هذه مصدرها استمرار ارتهاننا الذي لا تؤمن عاقبته إزاء المحروقات فيتعين على الجزائريين دون سواهم التصميم على رفعها . إنها ليست تحديات سلطة أو حتى تحديات نظام بل هي تحديات أمة برمتها يتعين عليها أن تختار مستقبلها وتتجند لبنائه.

أيتها السيدات والسادة

بني وطني الأعزاء

إن دخل الفرد الواحد شهد بفضل إستئناف النمو وانتهاج سياسة فاعلة لإعادة التوزيع زيادة بمعدل 13,3 % في السنة بين 1999 و 2005 . ولقد دخلت على الأجور والنظم التعويضية عدة زيادات في القطاع العمومي خاصة حيث تم تسجيل آخر زيادة للأجر الوطني الأدنى المضمون في يناير 2004 . وقد أثقلت هذه الزيادات كاهل الدولة والمؤسسات العمومية التي اضطر بعضها إثر ذلك الى تقليص تعداداتها . وينبغي التسليم بأن عددا من المؤسسات العمومية استهلكت النمو أكثر من إسهامها في تحقيقه.

وفضلا عن تحسن القدرة الشرائية للأجور ضمن سياق تضخم مسحوق تجدر الإشارة

إلى الدفع القوي الذي يتلقاه تشكيل مداخيل الأسر من التحولات الإجتماعية . والتحولات هذه التي تمثل قرابة ربع مداخيل الأسر تمتص قسطا متناميا من الناتج الداخلي الخام أي ما يقارب 10 % منه سنة 2005 .

ينبغي أن نقتنع بأن إدخال زيادة عامة على مداخيل العمل قبل أن يحصل ما يقابلها من تحسن فعلي في مستوى الإنتاجية من شأنه أن يهدد استقرار الاقتصاد الكلي الإستقرار الذي تم إسترجاعه بعد سنوات طويلة من الجهود والمعاناة و أن تهدد العديد من المؤسسات في بقائها مع كل ما يمكن تصوره من آثار لذلك على مستوى التشغيل .

إن مستوى النمو و نوعيته تحددهما في الأساس انتاجية العمل . فالعلاقة بين الأجر والانتاجية ينبغي من الآن فصاعدا أن تفرض على الجميع بما فيه وبالأحرى القطاع الصناعي العمومي والمصنع منه على وجه أخص الذي تقهقر تباعا منذ عدة سنوات بوتيرة متوسطها 1,3 % في السنة .

وعلى العموم لا مندوحة لنا عن ملاحظة أن الإقتصاد الجزائري مازال دون مستوى المعايير الاقليمية في مجال انتاجية العمل .

وفي هذه الظروف و من أجل أن تتم مفصلة الإكراهات الاقتصادية بصورة إيجابية

مع التطلعات الاجتماعية فإن الحكمة تقتضي أن يتبنى الشركاء الاجتماعيون موقفا لا يخطئ موضوع التروي والسداد موقفا يرجح المصلحة الجماعية لعالم الشغل ومصلحة الأمة على المصالح الفئوية .

إن الدولة وهي تواصل سياستها الفاعلة للحماية الاجتماعية تجنح إلى تسبيق وتفضيل إنعاش النمو بحيث يصبح نموا مستداما في إطار إقتصاد كلي مستقر وذلك قصد توفير مناصب الشغل لفائدة الشباب على الخصوص . هذا لا سيما وأن المديونية الداخلية المقدرة ب1000 مليار دينار تقتطع من نصيب الأجيال القادمة هي في الأساس مشكلة من ديون المؤسسات العمومية المخفقة التي تتكفل بها الدولة بشكل منتظم من أجل الحفاظ على الشغل وتجسيد تضامنها مع العمال .

وقصارى القول ربما يكون الوقت قد حان لتبديد ذلك الوهم المتصل بالقدرات المالية لبلادنا . حقيقة إن الدخل الإسمي لكل فرد قد تضاعف في ظرف ست سنوات منتقلا من 1621 دولار سنة 1999 إلى 3114 دولار سنة 2005 . لكن الجزائر ليست بالبلد الغني لأنه من دون عائدات النفظ فإن ناتجها الداخلي الخام (خارج المحروقات) لكل فرد المقدرة ب1150 دولار في المتوسط إلى غاية 2002 وب1700 دولار سنة 2005 يضع بلادنا في الفئة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل .

ينبغي للجزائر أن تكف عن التعويل على الريع البترولي خصوصا وأن هذا المصدر

الوحيد للمداخيل هو مصدر زائل طال الزمن أم قصر . كما ينبغي أن يسخر هذا الريع

لتأميننا من التقلبات المحتملة للسوق النفطية بتمويل باب النفقات العمومية التي لا سبيل إلى تقليص حجمها ولتهيئة أدنى حد من التضامن بين الأجيال وبين مختلف الفئات الاجتماعية .

إن النمو الذي كان لردح طويل من الزمن توسعيا وناتجا عن تراكم رأس المال ينبغي من الآن فصاعدا أن يتأتى من رفع إنتاجية العمل .

وهكذا فإن الرفع الحقيقي لمداخيل العمل ينبغي أن يصبح مرتبطا بتحسين إنتاجيته . إن الغاية المنشودة هي الإبقاء على متانة أسس الإقتصاد الذي يمكن إستقراره من دعم تنمية فرص النمو الاقتصادي والاجتماعي و من تشكيل الإدخارات لفائدة الأجيال القادمة .

ومن الواضح والجلي أن هذه الفرصة الاستثنائية المتاحة لبلادنا فرصة امتلاك

الإمكانيات لحل المشاكل الجوهرية لا ينبغي تبديدها بالجنوح إلى سياسة العمد إلى ما هو أسهل .

إن الاختيارين الاستراتيجيين الآنف ذكرهما لا يمكن التراجع عنهما جراء الجنوح إلى عدم تقبل الصبر المشروع ولا شك في نظر المعنيين ذاتهم غير أنه يقضي على الإمكانية الحقيقية المتاحة لدحر البطالة ويوصد أبواب المستقبل في وجه الأجيال القادمة .

أخواتي العزيزات إخواني الأعزاء

بني وطني الأعزاء

إن بعض البلدان التي كانت في نفس مستوى التنمية مع بلادنا قبل ثلاثة عقود فقط أصبحت اليوم بلدانا صاعدة بأتم معنى الكلمة . والجزائر يمكنها هي كذلك أن تطمح إلى هذه المرتبة ويكفي لذلك أن نجمع كلنا بلا استثناء على تحقيق هذه الغاية و أن نسعى لها ومن أجلها .

إن المسعى الكفيل بأن يساعدنا على بلوغ ما نرومه تم الإعلان عنه في برنامجي الذي تبناه الشعب الجزائري بأغلبيته الساحقة . كما تم توضيحه في برنامج الحكومة الذي صادق عليه البرلمان بأغلبية جمة .

ستواصل الدولة بعزم سعيها من أجل تلبية الحاجيات الاجتماعية الأساسية خاصة في مجالات التعليم والصحة والسكن .

ستساهم الدولة بقوة في القضاء على البطالة التي بدأت تتراجع بفضل النمو الإقتصادي وبالأحرى بفضل البرنامج الوطنية الهامة لدعم إنشاء مناصب الشغل .

إن التضامن الوطني لازال وسيظل مضمونا من قبل الدولة وبالخصوص لصالح أولئك المستضعفين الحقيقيين ممن ليست لديهم إمكانية الحصول على أي دخل بأنفسهم.

إن الدولة التي تساهم في النمو الإقتصادي من خلال الإنفاق العمومي ستسهر كذلك على إتمام الإصلاحات الجارية إصلاح البنوك وإصلاح العقار وكذلك إصلاح العدالة والإدارة .

غير أن هذه الجهود ستظل غير كافية بل غير قابلة للإستمرار ما لم تقدم الأمة قاطبة مساهمتها الفعلية أو إن هي جنحت إلى السهولة التي توحي بها الذهنية الريعية متناسية دروس الماضي القريب القاسية ومتجاهلة ما يطرحه عالمنا اليوم من تحديات .

ذلكم ما يجعلني أهيب أولا بالمؤسسات العمومية والخاصة لكي تستفيد إستتفادة سليمة من الظرف الراهن الملائم وتضاعف نشاطها بفضل الإنجازات التي تمولها الدولة وتقدم على تحديث أداة إنتاجها وتحسين نوعية منتوجاتها لمواجهة المنافسة العالمية.

إن الدولة ستواصل اتخاذ الإجراءات التحفيزية المناسبة لصالح الاستثمار ولصالح المناطق الداخلية من بلادنا التي ينبغي لها هي الأخرى أن تلج التنمية.

كما تضمن للعاملين المحليين حمايتها في كافة ما يبادرون به من أعمال في كنف احترام

قوانين البلاد . لكن في المقابل ننتظر منهم أن يؤدوا واجباتهم المالية التي يحددها القانون وأن يشاركوا مشاركة فعالة في محاربة كافة أشكال المخالفات التي تنخر الاقتصاد الوطني وأن يزيدوا من مساهمتهم في إنشاء مناصب الشغل ويطوروا قدرتهم التصديرية .

وأدعو العمال كذلك إلى التجند من أجل تحسين إنتاجية إقتصادنا ودعم ما يجب إدخاله من تطورات لزاما ذلك أن الأمر يتعلق بمصير مناصب شغلهم وبمستقبل الأمة قاطبة .

وأدعو إطاراتنا الذين تم تكوينهم بفضل ما تحملته البلاد من التضحيات الجسام طوال عقود من الزمن إلى الوفاء بما يحق لها أن تنتظره منهم .

إن الجزائر باتت تتأذى من القيام بتكوين أبنائها ليشتد بهم ساعد غيرها. إنها تنتظر من إطاراتها في كافة القطاعات تجندا كاملا من حيث أنه يجب أن يدركوا ما تواجهه بلادهم من رهانات . إن الأمة تنتظر منهم أن يضموا جهودهم إلى جهود الجميع عبر سائر مناطق البلاد .

وأدعو كافة المواطنين أن يتحلوا على الدوام بروح المواطنة وأن يشاركوا في محاربة الآفات التي ظهرت خلال السنوات التعسة التي عشناها من مثل اللصوصية والفساد والرشوة .

وأتوجه في الأخير إلى الأحزاب السياسية وإلى كافة الجمعيات الحكومية وغير الحكومية وأهيب بها أن تشارك تمام المشاركة في معركة التنمية .

فالأزمة قد ولت ومؤسسات البلاد أصبحت الآن راسخة الأركان . وسيتأتى تجاوز

المأساة الوطنية وستندمل تلك الجراح التي خلفتها . وقيمنا الوطنية التي هي روح شعبنا ستحظى بالترقية والحماية من لدن الدولة طبقا للدستور .

إن الوقت لم يعد للملاسنة والتنابز ولا هو وقت لتعاطي السلوكات الشعبوية والديماغوجية . فنحن في زمن التعددية التي عمت منافعها البلاد وفي زمن التنافس حول المساعي الملموسة الكفيلة بالسير حثيثا بالجزائر على أرشد السبل .

أخواتي العزيزات إخواني الأعزاء

بني وطني الأعزاء

لقد استرجعت بلادنا السلم المدني والأمن فاتحة بذلك الطريق لاستئناف مسيرتها التنموية . وينبغي لها الآن أن تسهر بكل حرص على صون السلم الاجتماعي الضروري

لكل تقدم في أي ميدان كان وبما أننا محظوظون بالتوفر على إطار ثلاثي برهن على جدواه

عبر السنين فإنني أحدث الشركاء فيه على أن يستعملوه أفضل استعمال .

فلئن تم الحوار والتشاور في كنف الإخلاص والمصارحة فإنهما سيسمحان للعمال

بقطف ثمار تطلعاتهم في مجال تحسين المحيط وتشريع العمل وكذا في مجال تطور الأجور

وهذا بمراعاة النمو والانتاجية والتضخم .

وضمن هذه الهيئة بالذات سيواصل العاملون الاقتصاديون تقديم مساهمتهم لتحسين الإطار اللازم لاستثمار منتج مكثف وخال من الممارسات الطفيلية .

وعليه أدعو الإتحاد العام للعمال الجزائريين وجمعيات أرباب العمل والحكومة

لمواصلة تشاورهم الثلاثي وأذكرهم بأننا ننتظر منهم إستكمال العقد الوطني الاقتصادي

والاجتماعي الذي سيشكل خطوة جديدة بالنسبة لبلادنا بتزويدها بالاطار المرجعي بالنسبة

لمستقبل التنمية الوطنية .

أخواتي العزيزات إخواني الأعزاء

بني وطني الأعزاء

إن الرسالة التي أبيت إلا أن أتوجه بها إليكم اليوم استلهمتها من حقائقنا ومن واقعنا . إنها رسالة تراعي فيما تراعيه عالمنا المعاصر الذي ينبغي أن تتكييف معه نشطا حازما تكيفا متوثبا خلاقا بقدر ما نستطيع .

إن هذا العالم لا مكان فيه للشعوب الضعيفة التي لا تعرف كيف تحدد أهدافها وتحشد طاقاتها . فهو يعيد النظر في حقوقها الأساسية بما فيها الحرية والسيادة. إن العالم هذا يبين بجلاء أن كل ضعف للإرادة الشعبية والتلاحم الاجتماعي يفتح الباب على مصراعيه أمام المستجد من أشكال التدخل والمساس على غرار ما شهدناه مؤخرا من مساس بديننا الحنيف وهو المساس الذي نشجبه بكل حزم وبكل استنكار .

إن مستقبل الشعوب التي نقاسمها المصير وفي المقام الأول شعوب العالم العربي والأمة الإسلامية يكمن أكثر من أي وقت مضى في التضامن الفعال الذي سنظل نمارسه بكل ثبات .

لقد ترك لنا شهداؤنا الأماجد أعلى مثل في الوطنية وحب الوطن وجني كفاحهم المقدس : الاستقلال والحرية . إن تضحياتنا الحديثة أعطتنا دليلا إضافيا على أن شعبنا يكون أقدر على أعظم المكارم لما تواجهه الشدائد والمحن .

لقد جاءت المصالحة الوطنية لتحررنا اليوم من كافة المثبطات والإنقسامات. فلنحسن العمل يدا واحدة على أن تكون مصالحتنا مصالحة مع أنفسنا ومع وطننا ومع مستقبلنا كأمة وثيقة العرى .

فلنتجند جميعا للعمل من أجل بناء جزائر كريمة وقوية وشامخة الجزائر التي حلم بها الشهداء .

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

عاشت الجزائر

وأشكركم على حسن إصغائكم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .