رسالة إلى معالي وزير العدل

لأنني ما زلت على قيد الحياة.. يرزق بالصحة والعقل في زمن تراكم المكائد وعصابات الفساد والتعفن وحماتها..

لأنكم سعادة الوزير صرحتم في آخر ندوة صحفية وفي لقاء للواحة بأنكم " مع حرية الصحافة التي تكشف عن الجبابرة والمتسلطين والموسخين .." وهذا شعور غال لدينا وله أكثر من وقع ومعنى لكن..

و لأن في سجن غرداية الآن مساجين أبرياء يتألمون ويكادون يجنون مما يعانون.. تم توقيف بعض هؤلاء كتكتيك خفي للتغطية على ملفات الفساد الحقيقية واستعمالهم كورقة سياسية وسخة بدون أي ذنب وفي سياق مخطط خفي يقوم به لوبي الفساد المحلي عشية وضع اللمسات الأخيرة لتقرير لجنة مكافحة الفساد وفي سيناريو مكشوف وحقائقه عارية لدى كل الناس...

لأنني أفضل أن أموت أو أسجن وأنا حي أمارس مهنة النبل, أحسن لي من العيش كحيوان ناطق كالنعام.. أو صحفي "مدجن" يعيش أوجاع الواقع بمرارة.. وتصله مثل هذه الحقائق والمناورات تحاك أمامه وعند محاولة إنارة الرأي العام بالحقيقة يتحول الإنسان إلى متهم بالقذف ولا يتحرك من في يده صلاحية إرساء الشعور بالقانون والحق والكرامة في هذا البلد الجريح بالمآسي والمكائد.. قبل أن يسخط علينا الرب بفيضان أو زلزال أعنف من الذي عرفناه وتعرفه آسيا..

لأن وطن الجزائر اكتوى بمحنة الإرهاب الدموي الأعمى على حد تعبير حضرة النائب العام وكانت الواحة أحد ضحايا هذه المحنة عندما نسف مقرها عام 1995 .. وما زلنا والحمد الله على قيد الحياة..

ولأن الجميع سعادة الوزير, صحافة ورأي عام قد تابع على شاشة التلفاز يوم تسلمكم تقرير ما يسمى بمكافحة جرائم الرشوة والفساد الذي أوصى به القاضي الأول في البلاد ..

لا يسعني بعد هذا إلا أن أرفع إلى معاليكم هذه الومضات التي من خلالها أود الإشارة إلى أن مسألة الرشوة والفساد لها فنون في قمة الإبداع والبراعة والخبث.. والرشوة والفساد يتعشش في ظل سكوت أو تواطؤ من الجهات القضائية والأمنية التي أصبحت تحمي التعفن وتؤسس لمنطق جديد وهو حماية الجريمة.. لذا نقول سعادة الوزير قبل مكافحة الجريمة العابرة للقارات علينا بمكافحة الجريمة العابرة للإدارات..

سعادة الوزير مكافحة الفساد لن يتم في غياب تشريع لصحافة نزيهة قوية بعيدة عن الضغوط والمساومات قادرة على الإسهام في بناء دولة الحق والقانون.. وتسليط الضوء على ملفات الفساد والتجاوزات ومختلف فنون وحيل اختراق القانون التي تتمتع بلوبي أظهر الجميع عجزه عن وضع حد لمكائده..

فالمواطن في الجزائر العميقة سعادة الوزير ما يزال يحلم بأن يرى جهاز القضاء متحررا من المناورات وصحافة قوية أمام ضغوط اللوبيات وجماعات المصالح والنفوذ التي تتحكم بسهولة في أحكام بعض القضاة والمحاكم وتحدد هي أحكامها قبل صدور هذه الأحكام..

أتذكر جيدا سعادة الوزير ذلك القاضي كان يشغل مهام رئيس محكمة بالنيابة عندما هرع إلى الواحة يستنجد وهو في حالة ذعر وانهيار نفسي معنوي من حالة تعسف تعرض لها داخل فرقة الدرك منذ أربع سنوات فقط وكتبنا حينها مقالا تحت عنوان : "سابقة خطيرة في غرداية " دركي يهين قاضيا ويصر على اعتقاله لولا وساطة مواطن ".. وقلنا حينها أن سيمفونية حماية المتقاضي من التعسفات التي تتردد على أسماعنا وهي مجرد وهم أو حلم مادمنا لم نتمكن من حماية القاضي من المساومات والتعسفات.. لماذا لأن القاضي رفع شكواه حينها إلى مختلف المصالح المركزية والمحلية ولم تتحرك ولا جهة لتضع حدا للتعسوبعد أربعة أشهر كاملة وجدنا أنفسنا مجبرين حينها كتابة المقال.. وتفطنت الرئاسة فأصدر القاضي الأول مرسوما يؤكد وضع الضبطيات القضائية تحت سلطة ورقابة العدالة وليس العكس..

كتبنا عن كاتب الضبط الذي تدخل لحماية إطار مارس جريمة اغتصاب كاتبة في بلدية نائية عاشت المرارة ومختلف أنواع الإفقار كونها طالبت بحقها في أن يأخذ القانون مجراه ولكن الجريمة وجدت من يحميها داخل جهاز العدالة إذ كما يوجد فيه نزهاء فعلا فإن هناك بعض الكائنات ممن باعوا ضميرهم للرشوة والمصلحة والمادة.. وما يزالون.. وعند الكتبة عن هؤلاء يتحول الجميع إلى أعداء للصحافة.. شمس الحقيقة..

كتبنا عن حادثة ذلك المواطن الذي قصد السفير الأمريكي يطلب منه النجدة بعد أن أصابه الذعر من قاضي ساومه وهدده بأن يبيع سكنه لكاتب في المحكمة وإلا أدخله السجن..

كتبنا عن المذكرة " الشاذة " التي أصدرها ممثل نقابة المحامين لتوقيف العمل بالإنابة القضائية ليحل المحامي محل القانون من أجل الهيمنة على قضايا المستضعفين ولا أحد حقق في هذه المفارقة أو الظاهرة الغريبة وخلفياتها الرهيبة..

المتقاضي سعادة الوزير محاصر من طرف عصابة من الفنانين أقصد فن الهيكلة للظلم والتعسف من المرتشين يوزعون الأدوار والمهام بين منحرفين يتقاضون مرتباتهم من ميزانية الدولة ويوزعونها على مختلف المصالح أمن وعدالة ومحاماة ولا أحد تفطن أو حقق فيما يجري من فضائح تزكم الأنوف..؟ إلى أن تحين لحظة الانفجار وتحل مآسي الدمار.. ويدفع حينها الأبرياء فقط الثمن.. فهل ننتظر إلى حين صدور نتائج تقرير لجنة مكافحة جرائم الرشوة والفساد فيطمئن المواطن في أملاكه وعرضه ؟

الواحة كصحيفة في الجنوب منذ 15 عاما تحملت مسؤوليتها المهنية فسلطت الضوء على كم من الملفات ذات العلاقة المباشرة بالفساد ولوبي العقار والصفقات المشبوهة.. ولكن الجهات الرسمية مع كل أسف في كل مرة لا تتحرك في الوقت المناسب للتحقيق فيما تخفيه هذه الملفات السوداء من فظائع وفضائح لماذا..؟ لا لشئ سوى أن كل مسؤول إما خائف من منصبه ومن سخط ورد فعل اللوبيات.. أو متواطئ .. ونحن المواطنين لا نملك أجهزة مباحث تتحرى وراء هذا الفساد الذي أضحى فعلا عماد الحكم .. أو تتعقب الذين يتربحون من مناصبهم وتحاسب الذين يهدرون عقولنا قبل أموالنا بالملايير وينتهكون كراماتنا بسبب الإدارات الفاشلة وهذه هي الحقيقة التي لا يجب إخفاؤها.. ألا يعد هذا أخطر من الإرهاب الذي وجب علينا جميعا اجتثاثه حتى لا يتحول حلم الوئام والمصالحة والاستقرار إلى مجرد وهم..

في أوروبا كما في أمريكا القاعدة أن الحكومة تثق في المواطن, والمواطن يثق الثقة الكاملة في الحكومة, فإذا قدم إليها بيانات افترضت فيه الصدق وإذا تبين أنه كاذب تعرض لعقوبة صارمة, ولكننا ننفرد بين حكومات العالم المتحضر بأن وراء كل هيئة هناك شرطة مباحث تحمي الفساد لأن الأصل عندها أن المواطن ليس موضع ثقة لأن شكواه تعري الحقيقة بينما المطلوب منا أن نثق بالحكومة مهما فعلت بنا..نصفق لها بعد ذلك..

تعرضنا سعادة الوزير لملفات الفساد, وهذا ما جعلنا نستهدف مباشرة بعد ذلك بعدة محاولات بالقتل بعد تهديد مباشرة أمام هيئة مجلس قضاء وفي جلسة محاكمة علانية ولا يتخذ القضاء القرار المناسب في الوقت المناسب ويحكم علينا نحن بالسجن النافذ يا سلام.. على هذه الشهامة.. أي تسجن أو تقتل لك الاختيار.. لأنك فقط صحفي تشكل خطرا بالنسبة إلينا.. ومحاصرتك تعد أكثر من واجب وطني..

ولكن الله كان دائما وسيكون بمعيتنا.. حتى داخل الزنزانة أو في وسط التابوت.. وهل نسمي عدلا سعادة الوزير عندما نزج بالأبرياء مجانا ظلما وعدوانا وراء القضبان كتكتيك خفي لتحويل الأنظار وطي ملفات الفاسدين ولا تظهر الملفات الحقيقة التي تزكم الأنف وتشم منها رائحة التعفن.. شبيهة برائحة الجيف..

وانطلاقا من كل هذا.. نتسائل لمن صلاحية التحقيق في كل هذا سعادة الوزير ؟ ولمن صلاحية التنقيب ورفع الغطاء عن الحقيقة..؟ فهل هي للمواطن البسيط المغلوب على أمره الذي يتألم ليل نهار بأوجاع الباطل ؟ أم للمحقق الغارق في وحل مصالحه الخاصة جدا..؟ أم لأجهزة الأمن..؟

الجريمة في جزائرنا العميقة سعادة وزير العدل لها حماة وحماية خاصة فهي لا تتورع عن فبركة مؤامرات وسجن الأبرياء.. واستغلال ورقة بعض الدراويش من مراهقي ساسة هذا الزمان بورقة أكذوبة حقوق الإنسان لقلب الأوضاع بالطريقة التي تخفي الحقيقة..

سعادة الوزير.. المواطن ليس هو العدالة.. ولا الصحفي هو القاضي.. فهذا الأخير ما هو إلا شخص بسيط تتحدد مهمته في تسليط الضوء على الخيط الرفيع بين الحق والباطل مهما كان ثمنه حنظلا..

ولكن الجميع يعلم سعادة الوزير أن الحقيقة مرة على أعداء الحق.. فقد تحاصر.. وتقمع.. ويصدر أمر ضدك بالسجن .. حتى وإن كانت القضية أنك أنت مهدد فعلا بالقتل وعلى مسامع الحاضرين أمام هيئة قضاء.. فلا أحد يفعل شيئا.. فهل مطلوب منا سعادة الوزير وهذا كلام كثيرا ما يردده متقاضون فقدوا الأمل..أن نبحث عن العدالة في بلد آخر خارج حدود الجمهورية أو في سفارات الخارج ببلادنا عندما تسد كل الأبواب ؟

سؤال نريد له جوابا عاجلا ولكن هذه المرة على أرض الميدان وليس بمحاضر روتينية عبثية ينتهي دورها بعد خراب البصرة أو عند تنفيذ جريمة إخفاء الحقيقة.. واغتيال صوت الحق..

جميل سعادة الوزير أن نولي اهتماما لمكافحة الجريمة العابرة للقارات, ولكن الأجمل أن نهتم أولا بالجريمة العابرة للإدارات الحكومية في جزائرنا العميقة.. حتى نضع حدا لظاهرة الإنتحارات.. وأسطورة المفقودين وظاهرة انفجارات السخط والتذمر هنا وهناك التي لا تتحرك الحكومة ولا تستيقظ من غفلتها إلا بها.. وحتى لا يأخذ مبتغى المصالحة والوئام الذي يحلم به كل جزائري مفهوما آخر.. وهو الوئام مع الفساد..

حينها فقط نقول كل عام والجزائر وأبناؤها بخير وعافية..

ح. داوود نجار