قاضي اليابان

نقول هذا قبل أيام فقط من توجيه الرئيس رسالة للقضاة عشية انعقاد الندوة الوطنية لإصلاح العدالة..

خطفت عيناي قبل سنوات خبراً أن قضاة اليابان القوة القادمة في العالم لديهم بطاقات تجيز لهم سحب أي مبلغ مالي يرغبون في الحصول عليه كي يعصموا أنفسهم من الحاجة وأن لا تتحول احتياجاتهم إلى نقطة ضعف تغدو منطقة مساومة وبيع وشراء واسعين, ومن يرتشي بعد أن حققت له الدولة كل طلباته يصبح شخصاً مريضاً لا يصلح أن يكون في موقعه.

وجدت أن هذا المدخل يقرب الصورة كثيراً, فهناك وظائف لا تقل أهمية عن القضاء في تسيير شؤون الناس ترتبط بأشخاص لم تملأ عيونهم جيداً.. أو بمعنى أصح لم تملأ جيوبهم وبالتالي تتحول وظائفهم إلى بؤرة لإحداث خلل إداري واجتماعي جد خطير أو بمعنى أدق إلى فساد إداري عام.. من نتائجه ما يسمى بالإرهاب..

ولا نحتاج هنا للتنقيب, فكل وظيفة من شأنها أن تسير شؤون الناس هي وظيفة خطرة ومن الأهمية بمكان أن تكون محل مراقبة ودراسة, فوظيفة رجال الجمارك, ووظيفة مفتشي الإدارة, ووظيفة المشرفين على المشاريع والصفقات الحكومية, ووظيفة حراس المال العام والخاص, لنقل كل وظيفة يتدنى راتبها ولا يفي بالاحتياجات الحياتية الضرورية, مثل هذه الوظائف يتحول أصحابها إلى إخطبوطات مهمتهم القبض والتسهيل وكسر الأنظمة ودمار أسس المجتمع وتهديد استقراره ويصبح محل مساومة لقوى خارجية.

وأعرف أن ليس من المعقول أن يتم إعطاء كل الموظفين دخولا تتجاوز مقدراتهم الشخصية والعلمية في ظل ضعف الضمير الإنساني, ومع هذا فإن نقاش ومعالجة الفساد الإداري يحتم الوقوف عند الوظائف الصغرى والموظفين الصغار قبل أي شيء آخر, فهؤلاء هم المنفذون لكل السياسات الإدارية والاقتصادية, فإذا لم تملأ عيونهم (ليس بالتراب طبعاً) فلن يحدث أي إصلاح إداري أو اقتصادي أو حتى قضائي, وهذه هي المعضلة التي تواجهنا, ولو قدر لأحد منا زيارة السجن فسيجد أن معظم المرتشين هم من الطبقات الدنيا, والأمر بالرغم من علاقته بمستويات التعليم أو الأخلاق فإن له علاقة بمستويات الحاجة, وهذه الفئات هي قاعدة المجتمع فكلما قلت دخولها كسرت حاجز الرهبة والخوف, ارتشت وزوّرت وإذا سجنت خرجت لتسرق وتزوّر, وتتحول المسألة إلى دائرة (احتياج فرشوة فسجن فأنابيب مفتوحة من الجرائم الجنائية والأخلاقية)..

لذا نقول: قبل تنظيم أي ملتقى لمكافحة الجريمة العابرة للقارات علينا بتنظيم ملتقى لدراسة وبحث ظاهرة الجريمة العابرة للإدارات.. هناك تكمن كل المصائب والمحن.. لأن مطالب الحياة عندما لا تجد إنساناً نزيهاً فإنها لن تسايره بل تحتاج لمن يقدر على مسايرتها بالكيفية التي يختارها المرء وفق قربه وبعده من ضيق الحياة المعيشية واتساعها.

ولله في خلقه المغبون شؤون..

ح. داوود نجار