أنا ذاهب إلى السجن (2)

** في العدد الماضي وفي نفس المساحة التي عنونتها بنفس العنوان - أنا ذاهب إلي السجن -  قلت أنني أنتظر ذلك اليوم الذي أعيش فيه للحظة أو لأيام أو لشهور ولمالا.. مع بعض المساجين لأتعرف كمسجون على قصص بعض المظلومين الذين تم الزج بهم ظلما في الزنزانة..و قلت من واجبنا كصحافة أن نتعرف على حقيقة القصص التي من خلالها تم توريط بعض هؤلاء – المساجين – والتهم المنسوبة إليهم والأشخاص الذين تآمروا لزجهم في السجن أو الذين يتوسطون حاليا من خلال شبكة نفوذهم لإخراجهم من الزنزانة..

وفي الأسبوع ما قبل الماضي بمجرد عودتي من القاهرة بعد المشاركة في مهرجان اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العربية لأجد نفسي أمام ملف قضية مسجون جديدة يعد من بين الملفات – اللغز – التي تعرض علينا كصحافة ويتعلق بأخطر مجرم في غرداية حسبما قيل.. زج به في سجن غرداية الأيام الأخيرة فقط وقيدت حريته بتهمة القتل كيف ذلك..؟ وقبل هذا أتعرض إلى الطريقة التي تناولت بها صحافتنا المحترمة خبر توقيف هذا - المجرم الخطير – كما وصفته وأصبحت هي المجرمة من حيث لا تدري.. وتحكم مسبقا على شخص بأنه قاتل قبل أن يصدر الحكم النهائي من طرف العدالة.. (!)

".. أخطر مجرم في الشباك بغرداية "

"..البصمات تكشف مرتكب جريمة قتل.. " 

".. بعد ثلاثة أشهر من البحث والتحريات.. القبض على مرتكب جريمة قتل امرأة بغرداية.. "

  هذه عناوين صحيفة أمليت على بعض أشباه الصحفيين الذين حولوا المهنة إلى "عبث" مع كل أسف وحولوا مهنة البحث عن الحقيقة إلى مجرد مهنة كاتب عمومي عفوا..  الكاتب العمومي أرحم..  على الأقل هذا الأخير يبقى في حدود المهمة التي وجد من أجلها أي كتابة الشكوى أو الرسالة كما وردت على لسان العجائز..

  في القانون وأنا اكبر جاهل بالقانون..  المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته..

وفي ملتقى المحكمة العليا المنتظم أخيرا حول قرينة البراءة والحبس المؤقت وبدائله من جملة ما استخلصته الورشات التي حضرتها إطارات سلك القضاء عبر الوطن وأشرف عليها وزير العدل شخصيا ووعد بمتابعة تنفيذ توصياته التي صادق عليها الحضور بالإجماع جاء في البند السابع من هذه التوصيات مايلي:

(تجسيد مبدأ الحق في الإعلام وتمكين المواطن من الإطلاع على الأخبار والمعلومات المتصلة بالنشاط القضائي من مصادرها الأصلية تفاديا لنشر الأخبار التي قد تسيء إلى قرينة البراءة..) انتهى نص الفقرة.

وأتذكر جيدا مداخلة الدكتور عبد المجيد زعلاني أستاذ محاضر بجامعة الجزائر ورئيس لجنة التربية على حقوق الإنسان والإعلام من جملة ما ورد في مداخلته حول قرينة البراءة والحبس المؤقت مايلي : ( يقتضي الحق في افتراض البراءة أن يتحاشى القضاة والمحلفون أي تحيز مسبق ضد المتهم ويطبق هذا أيضا على جميع الموظفين العموميين الأخريين كموظفي النيابة العامة والشرطة مثلا ويترتب على هذا المبدأ وجوب الإمتناع عن تصريحات يتحدد وفقها الحكم بالإدانة أو البراءة قبل صدوره ولكن هذا الحق في افتراض البراءة لا يتعرض لانتهاك إذا اكتفت السلطات بإطلاع الرأي العام على أنباء التحقيقات الجنائية طالما لم يقترن هذا الإعلام بأي تصريح يفيد بأن المتهم مذنب وهكذا يجب أن تكون القاعدة المتبعة هنا الموازنة بين المصالح المختلفة المصلحة المشروعة التي يستجاب لها عن طريق ممارسات الحق في الإعلام ومصلحة الفرد المشتبه فيه في الحفاظ على قرينة البراءة وتتواصل هذه الموازنة بين المصالح إلى غاية ثبوت الإدانة قانونا..) انتهت الفقرة ومن هنا فإن ما أعلن منذ أيام في غرداية على أن القاتل في الجريمة التي هزت المدينة إلى غاية جعلت الناس يشعرون بفقدان الأمن والآمان نتيجة عدة ممارسات خطيرة لبعض أعوان الأمن هي في حد ذاتها فضيحة من المفروض أن تتفطن لها الصحافة المحترفة حتى لا تقع في فخ تصفية الحسابات.. إما نتيجة سذاجة أو خوف الصحفي من الجهة الأمنية التي سربت له التصريح الذي أعلن عنه وكأنه حكما نهائيا..

أما لماذا هذه القضية تشكل فضيحة خطبرة في هذه الولاية بالذات فذلك نتيجة العوامل التالية:

  أن الإستناد على أن هوية المجرم تم التعرف عليها من خلال البصمات فيه الكثير من الغموض والتحايل.. ولا ندخل هنا في تفاصيل هذا التحايل الذي تم باسم الشرطة العلمية ونترك المجال لجهات التحقيق لفك الغموض الذي اكتنف على ما سمي بالتحريات..

ثانيا: تاريخ وصول تقرير الشرطة العلمية  كان يوم 2 أوت وصدر الخبر في جريدة الخبر يوم 4 أوت فكم بقي المتهم في التحقيق عند الشرطة وكم الوقت الذي تم فيه التحقيق عند السيد قاضي التحقيق ومتى أرسل إلي جريدة الخبر وبقية الوسائل الأخرى للترويج لهذه الفضيحة الخطيرة التي تمنعه كل القوانين.. ؟

ثالثا: المتهم كانت له سوابق قبل أزيد من عشر سنوات نعم ولكن هذه السوابق ليست من الخطورة التي تجعله يرتكب جريمة قتل حسب تصريح زوجته.. ولكن هناك سوابق أخرى لنفس المتهم كضحية في فضيحة خطيرة لم تذكرها الصحافة..

رابعا: البنت التي كانت في موقع الجريمة حين وقوعها أربع سنوات بمجرد مواجهتها مع المتهم صرحت وبدون تردد بأن الشخص المشتبه فيه ليس هو المتهم الذي رأته يقوم بالجريمة بل هو طويل القامة والشعر.. والسؤال المطروح لماذا لم يرد تصريح هذه البنت في محضر الشرطة ولم يسمع لها عند سعادة قاضي التحقيق ؟

خامسا: التحقيق لدى الشرطة سواء في العدالة لم يسمع لصاحب العمل إذ أن لمشتبه فيه سائق حافلة للنقل الحضري هذا الأخير الذي يؤكد أن المتهم كان موجود في شغله صبيحة يوم وقوع الجريمة الشنعاء.. (!)

سادسا: والأغرب من كل هذا أن التحقيق لم يسمع إلى زوجة المتهم التي كانت مع المشتبه فيه صبيحة وقوع الجريمة لتعميق التحريات قبل توجيه التهمة بمثل هذا الشكل والتأكيد لإنسان يعتبر نفسه وعائلته أن بعض الجهات غامرت به ككبش فداء لامتصاص غضب السكان وقلقهم ليس من ظاهرة انتشار الجرائم فحسب بل لأساليب التعامل معها من قبل بعض الأعوان وتغطية المتهمين فيها.. .( !)

والفضيحة الكبرى التي تكشف عن حقيقة قصة المشتبه فيه هو ما تعرضت له زوجته منذ خمس سنوات حيث استدرجتها إحدى السيدات وأوقعتها في فخ الفضيحة وتداولت عصابة من الفساق على اغتصابها  والتداول عليها جنسيا تحت الضغط والتهديد ومنذ ذلك الحين وزوجها يطالب بأن يأخذ القانون مجراه ولكن النتيجة أنه تحول إلى قاتل بقدرة قادر لامرأة تم قتلها في نفس الأسبوع الذي امتثل فيه أمام المحكمة – كضحية - للفصل في هذا الملف المعطل في الأدراج طوال 5 سنوات وفي غياب جميع العناصر الذين اغتصبوا زوجته ولا وردت حتى أسماءهم الحقيقية في محضر الحكم القضائي .

فهل أمام كل هذه القرائن والخروقات الفاضحة يمكن لنا القول مثلما أعلنت بعض الصحف بأن القاتل تم توقيفه متحدية بذلك كل النصوص القانونية التي تؤكد على مبدأ قرينة البراءة وهل يمكن لنا أن نقول نحن أن المشتبه فيه برئ والقاتل ما يزال حرا طليقا ولا يمكن امتصاص غضب وقلق وراء قلق في أوساط المواطنين وعدم شعورهم بالطمأنينة وحماية للجريمة والمجرمين من جهة أخرى.. ؟

في غرداية كما في العديد من مناطق الجزائر هناك من يقوم بجرائم خطيرة وخطيرة جدا تتمثل في قتل الناس وهم أحياء ونشر الخوف والذعر بينهم سواء باغتصاب شرفهم أو نهب عقاراتهم والعقارات العامة واستعمالها كرشوة في مخطط رهيب لتحويل الحق إلى باطل والباطل إلى حق ولا أحد تحرك ولا أحد يكشفهم ولا العدالة تدينهم فهم محميون بحكم قاعدة النفوذ.. (ا) وهناك في نفس الوقت أبرياء تحولوا بنفس حكم القاعدة إلى متهمين أصحاب سوابق تلاحقهم مدى الحياة.. وبهذا نطمح في أن نحقق بلد يشعر في المواطن بالطمأنينة والعزة والكرامة..

 فمتى يتحرك فخامة رئيسنا ليضع حدا لأعداء العزة والكرامة الذي رفعه خلال حملته الإنتخابية السابقة يا ترى..؟

ح.داوود نجار