أنا ذاهب إلى السجن (1)

    **اليوم سوف لن أتحدث عن عيد الإستقلال إخوتي فهناك ناس يعيشون بيننا لا يشعرون أصلا بطعم الإستقلال..  ولهذا..

  ** قد لا تصدقون أمنية الفرد الوحيدة هذه الأيام ما هي.. ؟

  **أمنيتي هي أن التحق بالمساجين لأعيش لحظات بينهم وتحديدا في سجن غرداية.. أعيش أياما مع الذين دخلوا السجن ظلما..  ومع الذين دخلوه جرما..  بعد أن تقاعس المجتمع أو عجز من مسؤولية إنقاذهم ودعوتهم إلى طريق الهداية والصلاح..

    وقد تقولون هذا مجنون ماذا يقول..؟

   كيف يريد أن يسجن مع المساجين والمنحرفين..؟  كلا.. ليس في السجن منحرفين فقط.. فهناك أيضا يوجد مظلومين وما أكثرهم..  ونحن في مهنة المتاعب نعيش يوميا قصص غريبة تؤكد هذا ومن واجبات الصحفي صاحب الضمير الحي رفع الغين عن المظلومين فكان ضروري علينا أن نعيش أياما مع هؤلاء حتى نعرف حقيقتهم ونتحسس آلامهم ونسمع إلى قصص توريطهم والتهم المنسوبة لهم والأشخاص الذين تأمروا لزجهم في السجن أو الذين يتوسطون حاليا لإخراجهم من الزنزانة..  حالات محيرة  لا يفكر الفرد سوى أن يتحول إلى إرهابي حقيقي.. (!)

   السجن يا جماعة لم يصبح مثلما كان أيام زمان حسبما نسمعه في ملتقيات وزارة العدل..  وما تقف عليه منظمات حقوق الإنسان العالمية التي لم تنشأ سوى للتدخل في شؤوننا لكي تحمينا من التعسفات والتجاوزات.. أليس من الأولى لنا أن نضطلع بهذه المهمة ولكن ليس بأمر تكليف..  بل بقرار إيداع..

   أنا مهموم يا ناس كوني مازلت لم أذق طعم السجن ولا عذاباته وعذابات أهله..

   عشت طعم وآلام من هو خارج السجن ومعاناتهم القاسية نعم..  وما أكثر القصص ولكن لم أتطلع إلى قصص من هو داخله بعيدا عن الأهل..  ويا ما في السجن مظلومين..  من بينهم مدير سجن غرداية نفسه المسجون نتيجة أخطاء الآخرين.. (!) أي نعم مدير سجن غرداية قد لا تصدقون ما نقول إبحثوا فستتأكدون أن هذا المخلوق فعلا مظلوم..  وهو ضحية أخطاء فوقية وقرارات سياسية.. يدفع الثمن حريته..( !) فإذا كان مدير السجن مظلوم فكيف سيكون المواطن المغلوب على أمره ومن هو تحت رقابة مدير السجن ومسؤوليته.. ؟

- كتبت كصحفي غلبان تحقيقا منذ فترة ليست ببعيدة عن ظاهرة ابتزاز المرضى في مستشفيات غرداية وممارسة "البزنس " بصحة الغلابا من قبل سادتنا الدكاترة..  وما أكثر دكاترة "البزنس" في هذا الزمن المقلوب..  وحتى في الدين هناك دكاترة جدد يمارسون الشعوذة على المجتمع وعلى المغفلين مثلي..  العدالة لم تنصفني بعد أن رفع - مدير السجن - عفوا مدير المستشفى وبإيعاز من الوالي السابق دعوى قضائية ضد الصحيفة وصدر الحكم بالبراءة..  إلا أن السيد وكيل الجمهورية فوجئ عندما التجأت لتقديم طعن في حكم البراءة.. (!) وسألني كيف تطعن في حكم صدر لصالحك بالبراءة..؟ وقال أن طوال حياته المهنية في قطاع العدالة لم يسجل أن تقدم متقاضي ليسجل استئناف في حكم البراءة.. ونصحني أن أمهل لنفسي وقتا لأفكر وأستشير زملائي في المهنة أو المحامين قبل تسجيل الإستئناف.. وقال أنه قد يكون هذا التصرف ليس في صالحي..  فأجبت مباشرة " أرجوك أن تفهمني وتسجل ما أريد وهذه رغبتي ومقتنع بما أفعل وأنا بكامل قواي العقلية "..  فأجابني السيد وكيل الجمهورية مشكورا " لك ما تريد " وبالفعل قبل طلبي بتسجيل الإستئناف وبعد تقديم القضية على مستوى مجلس القضاء أعتقد السيد رئيس المجلس بأنني أجهل القانون والإجراءات عندما استأنفت حكم البراءة واعتبرها دفاع مدير المستشفى الذي تقاضى حقوقه من خزينة المستشفى ومن الضريبة التي ادفعها شهريا.. وتقضاها كحقوق من الخزينة العامة للدفاع عن المرتشين.. والمتاجرين بصحة وظروف المرضى.. أي نعم الدولة تدفع من خزينتها لكي تدافع عن المرتشين (!) المجلس كذلك يؤيد حكم المحكمة بالبراءة ولكن بيت القصيد في كل هذا أننا كصحافة كشفنا عما يقع من ابتزاز وسمسرة بصحة المرضى في مؤسسة يفترض فيها الرحمة والرأفة بالإنسان فإذا بي أصبح متهما أمام القضاء بالقذف.. وبعد صدور حكم بالبراءة بقي الأمر كذلك إذا أن ظاهرة الإبتزاز والسمسرة والرشوة ضاربة أطنابها أكثر فأكثر و- يا حليلك ياضعيف - لا سعادة الوالي مارس صلاحياته كاملة ووضع حد فاصل بين المتاجرة بالإسمنت والكيف والسكنات والعقارات والمتاجرة بصحة المرضى والغلابا..  ولا مدير الصحة ولا النيابة حركت دعوى بعد أن وقفت على تفاصيل ما يجري من قصص غريبة وخطيرة يوميا مع المرضى..  وأمام هذا الحال ماذا تعني البراءة بالنسبة لنا كصحافة ما دام الغلابا يطحنون ويتاجر بصحتهم..  وتحت رحمة سماسرة المستشفيات..؟

   ** صحيفة الواحة بعد أيام كشفت عن مؤامرة خطيرة كادت أن تفجر منطقة ميزاب لتلحق بها ضمن مخطط العروش وطالبي الإنفصال..  في محاولة جهنمية يئسة لإثارة نزاع طائفي وتغذيته بعبقرية ودهاء ماكر , من خلال فبركة مشكل تافه افتعله بعض المصلحين من أجل التغطية على أعمالهم القذرة المعروفة لدى العام والخاص من أفعال النهب والسلب للعقار وللمال العام والتي بدأت تنكشف فأغتنم هؤلاء فرصة أزمة القبائل وخططوا لتفجير المنطقة..  ولكن مقال الواحة وبشهادة العام والخاص كشف "البازقا" – بثلاث نقاط - في الحين..  وكشف أوراق هذه المناورة القذرة..  ولم يجد مير غرداية السابق الرأس المدبر لهذه المناورة إلا رفع قضية أمام العدالة التي حكمت علينا هذه المرة ليس بالبراءة مخافة أن نطعن في الحكم مرة أخرى.. ولكن كان الحكم بدفع عقوبة ثمن دجاجة مشوية وهو 500 دج..  وكأن الأمر عبث في عبث.. الواحة تكشف عن مؤامرة خطيرة كادت أن تكلف الملايير وربما أرواح ولا يتابع من كان وراء المناورة..  بل تدفع من خزينة الدولة وضريبة الغلابا للدفاع عنهم وحظي هؤلاء بحفل تكريم وتبجيل من قبل المسؤولين.. .( !) .

   ** يا سلام على الشجاعة وعلى العزة والكرامة..

   ** منذ شهور زارني في مكتب الجريدة مواطن هارب من محاولة زجه في السجن ظلما وبدون أي سبب..  يشتكي من مساومات سعادة قاضي التحقيق الذي أضحى يستدعيه ويهدده لعدة مرات وطوال شهر كامل بأن يرضخ لبيع مسكنه لكاتب يشتغل في المحكمة وإلا " سأفتعل لك قضية تحال بها إلى زمرة المساجين..  والملف موجود أمامي "..  يا سلام.. هكذا قال القاضي لهذا المواطن الغلبان مهددا ومتوعدا..  المواطن الذي هرع إلى الجريدة  مذعورا مشتكيا باكيا..  قائلا السيد القاضي قال لي لك ساعة بين يديك إذهب حالا وفكر مليا وإلا ستدفع الثمن حريتك..  ولي كل الصلاحيات..  وأنا فوق الأمن والدرك.. زيارة هذا المواطن للواحة وبعد أن بلغ أمره لسعادة النائب العام قلب الموازيين ظهرا على عقب.. بعد أن كان الغلبان منهارا نفسيا ومعنويا ومصابا بنوع من الذعر القاتل.. وبدون أن استرسل في تفاصيل القصة الغريبة..  تحول قاضي التحقيق من مساوم ومهدد بأنه فوق جميع السلطات الأمنية وفي يده كل الصلاحيات.. إلى طفل متوسل كلما التقى بنفس المواطن على الرصيف في الشارع العام طالبا إياه " أرجوك أن تأتيني للمكتب لتسوية القضية معك ".. وقد علمنا أن الجهات القضائية قد فتحت تحقيقا في هذه الظاهرة الغريبة لبعض قضاتنا المحترمين..

أي أن هذا المواطن الغلبان لو لم يزر الواحة لما وجد نفسه داخل الزنزانة كونه لم يرضخ لمساومات السيد قاضي التحقيق لبيع مسكنه لموظف يشتغل معه في نفس المكتب بالمحكمة..

    أما القضية الأخيرة التي بدأ بصيص السجن يقترب مني.. عندما تناولت ملف الإغتصاب وانتهاك شرف بريئات في بلدية ضاية بن ضحوة.. ظاهرة أقلقت مضاجع الكثير من العائلات الغلبانة والمواطنين في هذه البلدية المعروفة بكرم أهلها والغيرة على شرفهم..مما دفعهم إلى أن يهددوا بتخريب مقر البلدية في حالة عدم توقيف الأمين العام الذي شفع له نفوذه المستحكم هنا وهناك والمتكون من شبكة من المصلحين والنافذين في جهاز العدالة والإدارة..و أضحى يستمر في أفعال انتهاك شرف البريئات.. بمختلف أنواع وأساليب المساومة والتهديد..  وتناول الواحة للملف ولقصة ظفر هذا الإطار الأمين على قرار انتفاء وجه الدعوى وتجميد ملف التحقيق بشأن "الرشوة" التي بها حاز هذا الأخير على القرار الذي جعله يواصل أفعاله الإجرامية في حق البريئات.. أقلق بعض الجهات النافذة المستفيدة طبعا.. (!)

   المقال أوقف ظاهرة الإغتصاب بمجرد صدوره.. وتم توقيف المعني وتحويله بقدرة الوسائط إلى مصلحة أخرى وهدأت الأمور ولم تحترق البلدية..  وهذا هو المهم بالنسبة لنا كصحافة..  إلا أن أحدا  لم يتحرك وأعطى لكل ذي حق حقه ممن في يده صلاحية التحقيق والحفاظ على كرامة العائلات البريئة . بل أن أحد أعوان العدالة الذي له علاقة بمسلسل عرقلة المتقاضين لممارسة حقوقهم رفع قضية ضد الواحة بتهمة "القذف" بعد أن منعنا نحن " القذف الحرام" الذي يحول حياة البريئات إلى سواد بانتهاك شرفهن تحت طائل التهديد وقوة النفوذ..  وهناك حكمت المحكمة بشهرين حبس نافذ..( !)  لماذا..؟ لأن  الضحية موظف يشتغل في العدالة..  في جلسة غريبة الأطوار خرجت من إطارها القانوني.. (!) إلى نوع آخر من القذف المباح.. (!)

    ** وبعد كل هذا نقول عندما لم يسلم حتى المرضى في المستشفيات من ظاهرة الإبتزاز و"البزنس" بصحة الغلابا وهم على الفراش المرض..  والظاهرة مستحكمة إلى اليو م ولا أحد من المسؤولين تدخل وقال لا لهذا المنكر.. بل يدفع من خزينة الدولة للدفاع عن ظاهرة الرشوة بصحة المرضى.. (!)

   ** وعندما يتم تكريم السماسرة والمضاربين بالعقارات والأموال العامة بغرداية التي يقال عنها أنها مدينة الكرم والأمن والثقة..  وبسكنات الغلابا والمساعدات التي رصدتها الدولة للتخفيف من معاناتهم والذين يحاولون تغطية أفعالهم باختلاق المناورات بورقة العصبية للزج بالمواطنين في أوحال الفتن حتى يسهل اللحس والهبر والسرقة.. ولا أحد من المسؤولين تدخل لمعاقبة المناورين ولا المختلسين.. (!) فتحقق فعلا ما اسميه بعصر الوئام مع الفساد..

    ** وعندما يكون انتهاك الشرف خصلة من خصال بعض إطاراتنا في الإدارة وجب دعمها من قبل العدالة والوقوف بتغطية حقائقها بلجان التأديب والإهانة والتعذيب بل لها نفوذ مستحكم كاستحكام ظاهرة فساد في المجتمع.. واليأس والخوف من قول الحق.. وإظهار الحقيقة..( !)

   ** وعندما تصبح مهمة سعادة قاضي التحقيق في حرم عدالتنا الموقرة صاحب الصلاحية الكاملة في استبيان الخط الفاصل بين الحق والباطل وبين الظالم والمظلوم ليتحول إلى "سمسار" من أعلى طراز لمساومة المتقاضين بعقاراتهم وإلا هددهم بملفات غامضة لزجهم الحبس وتجريدهم من حريتهم بدون أي مبرر.. والقضية مرت عليها عاما كاملا ولا أحد تدخل وقال لا لما يجري..( !) وهناك فرق بين حرم العدالة والوكالة العقارية.. (!)

     ** فأقول وأؤكد مثلما قلتها سابقا " السجن " بالنسبة لي أهون من أن أعيش وسط هذا الجور والسكوت عنه بل والدفاع عليه من الميزانية العامة.. وبين أمثال هذه الكائنات من المسؤولين فاقدي الصلاحية والضمير.. ولهذا كان أفضل لي أن أغادر هذا السجن الكبير لألتحق بمن هو موجود في السجن الصغير وأنا أعلم كما يعلم الكثير من المساجين داخل زنزانات السجون الكثيرة من الذين لهم قصص تجاهلتها صحافة الصالونات أو تقاعست عن تناولها.. (!)

    بل أنا متأكد أن المهمة ستكون فريدة من نوعها وسأكتشف الكثير من الحقائق التي تملأ صدور المسجونين في سجن غرداية التي لا يمكن معرفتا عن طريقي دخولي السجن برخصة.. أو مع وفد رسمي..  أو بأمر تكليف بمهمة فكم من مرة رافقت وزراء العدل في العديد من السجون ابتداء من الوزير خروبي في مطلع الثمانينات عندما كنت صحفيا بجريدة الشعب إلى آدمي.. ولكن كنت في كل مرة ينتابني نوع من الشك أن هناك مظلومين يا ليتني تعرفت على أحوال هؤلاء ووصلني أنينهم.. وتعرفت على مآسيهم.. فكم رسالة وصلت الجريدة لكن ليس كالإحساس والبوح المباشر.. (!)

     مالا يعلمه القاضي الأول في البلاد صاحب برنامج العزة والكرامة والسيد شرفي بالذات أن في العدالة.. وفي غرداية على وجه الخصوص مسؤولين وأعوان نزهاء وأنقياء حقا كلامهم ينطق عدلا.. لكن نخاف عليهم ومن قوة النفوذ.. إذا لم يرضخوا للمساومات.. وإغراءات أهل المصالح هكذا يتكلم الناس.. وكل من له ملف في العدالة.. (!) وهذه هى الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها..

    والسؤال هنا.. من يعالج ظاهرة عدالة النفوذ في البلاد.. وفي غرداية بالذات ؟ حتى لا يصيبنا الله بمزيد من الزلزال والمصائب في ظل السكوت عن أحوال المظلومين والمقهورين في المجتمع من الذين افتقدوا طعم الإحتفال بعيد الاستقلال..؟

*فاصلة :

( منطق المصلحة والنفوذ جعل المسؤول الظالم والرجل الكاذب من سادة المجتمع.. صدق أو لا تصدق.. )

و إلى اللقاء في رسالة قادمة ولكن هذه المرة من داخل زنزانة  سجن المقهورين..

          ح.داوود نجار