نصف قــرن مدرسـة

مطلع هذا الشهر يتوجه ملايين التلاميذ العرب بما فيهم الجزائريون إلى المدرسة..

 وفي المدرسة يجري كل شيء من تربية وتعليم إلى صقل وبذل.. وصولا إلى شعار «شباب اليوم عماد المستقبل».. قالوا لنا هكذا..

المدرسة العربية يذهب إليها التلاميذ بفرح وسعادة في اليوم الأول.. لأنهم سيسعدون بلقاء أصدقاء السنة الماضية وسيسمعون أخبارهم.. وبدورهم سينقلون إليهم ما خزنوه طيلة أشهر الصيف الحارة من ألعاب واكتشافات وغيرها..

وستستعرض التلميذات في يومهن الأول حقائب الباربي ذات اللون الفاقع والتي تحمل صورة اللعبة الأشهر في عالم الألعاب، وقد لا يأبه التلاميذ كثيرا لمسألة الحقائب بحكم إحساسهم بقيمة العلم العادية التي لا ترقى إلى مستوى أحد مراكز التسوق التي قضوا فيها الصيف و«لحسوا» الهامبورغر وقرقروا المياه الغازية وسواها..

ولأن للمدرسة العربية تاريخاً من العداء مع التلاميذ فإن تبيان بعض الأسباب يقود إلى حقائق باتت تحت مجهر الجميع.. حيث يتوفر للتلميذ في بيته كمبيوتر شخصي وخط إنترنت وهاتف نقال وتلفزيون مشفر وغير مشفر بمئات القنوات..

كما أن هناك مكتبة عامرة بالـ «سي.دي» فيها أغنيات عاطفية مثل خود الدبلة وطلقني وأخرى زراعية مثل أغنية البرتقالة التي تشجع على زراعة الحمضيات.. وتشح عجائب آخر أبحاث الجينات.. وغيرها من أغنيات الانجلو آراب أو الفرانكو آراب مع شوية بهارات هندية، وتوابل لبنانية نصف عارية في كل فصول الحر والقر.

إذن ماذا بقي للمدرسة أن تفعله بالتلاميذ أو ماذا يفعل التلاميذ بالمدرسة..؟ حيث العلم الجاف والأسوار عالية والأبواب مغلقة..

في تلك المدرسة المعلم يزجر والمدير ينهر والزميل يغار.. كرد فعل لواقع إدارتهم اللاتربوية.. إلا من رحم ربك.. والبؤس يعم قاعة الدرس بمفردات خشبها القديم ومكيفها الذي يعن مثل عنين الناعورة هذا إذا كان صالحا للتبريد وإذا لم يكن صالحا فالشبابيك مصدر حيوي للغبار وللهوام من الحشرات التي تجعل استيعاب الدرس جزءا من قلع الأضراس.. ناهيك عن غياب طاقم كبير من المدرسين الذين ما زالوا في عطلتهم أو الذين يرفلون بالهواء البارد في القارة العجوز.. فضلا عن المدرسات اللواتي منَّ الله عليهن بمواليد تبهج القلب والروح وهذا يعني انقطاعهن عن التعليم والتدريس ريثما يجدون البدائل.. وعن البدائل حديث آخر يطول..

إذن لماذا يذهب التلاميذ إلى المدرسة ولديهم كل تلك البدائل في بيوتهم وفي محلات "السيبر كافي" ويمكن لهم التمتع بزخم العلم والمعرفة وسط أجوائهم دون تكليف أنفسهم عناء خرخرة الحافلات في الصباح وحرارة الأسفلت ظهرا والروائح المكتومة في الصفوف التي تخلع الرئة لقلة أوكسجينها.

سيكونون سعداء أول يوم وربما لليوم الثاني، ولكن عندما يبدأ الدرس المدرسي العربي سينفر تلميذنا النجيب الحبيب مدرستنا.. التي حولته إلى حقل تجارب.. كل عشرية يسمع بمظلومة تربوية جديدة..

تصوروا يا رعاكم الله ماذا سيحدث عندما يكره براعمنا المدرسة وهم في سن الزهور.. وقد أمضينا أكثر من نصف قرن ونحن نصنع له المدرسة والمدرسّين والمنهج والمنهجيين.. والحصيلة أننا نعيش حياة المدرسة كما كانت قبل نصف قرن.. وكأننا لم نسمع بالمدرسة الحديثة.. ولا بالجيل الجديد.. ووزيرنا لم يبقى له سوى أن يبشرنا في مدخل الموسم بأن نسبة خمسة وثمانون بالمائة من المعلمين ليس لهم شهادة الباكالوريا مثلي وهي الشهادة التي بات يحصل عليها اليوم المتهمين من المساجين حسبما يبشرنا به وزيرنا للعدل وهي الفرصة التي لا تحفز عليها الإدارة التربوية المعلم التربوي..

 وكل مدرسة وأنتم بخير..

          ح.داوود نجار