كتب هزت البيت الأبيض..

«رجال بيض أغبياء» و«استعلاء امبراطوري» أحدثت حرجا

هز كتاب «حالة انكار» الذي اصدره قبل اسبوعين بوب وودورد مساعد مدير تحرير صحيفة «واشنطن بوست»، البيت الابيض هزة عنيفة لدرجة ان عدد من الوزراء والمسؤولين اصدروا بيانات نفي او توضيح لما جاء في الكتاب. فأصدر البيت الابيض، تقريرا رد علي مواضيع في الكتاب، نقطة بعد نقطة. وظهر مسؤولون من البيت الابيض في قنوات تلفزيونية للدفاع عن الرئيس الاميركي جورج بوش، من بينهم وزيرة الخارجية كوندليزا رايس. وصار الكتاب جزءا من حملة الديمقراطيين لانتخابات الكونغرس التي ستجري في الأسبوع الأول من الشهر القادم.

وكشف الكتاب، اعتمادا على مقابلات مع مسؤولين كبار في البيت الابيض، ان بوش لم يقل الحقيقة عندما طمأن الاميركيين، خلال السنتين الماضيتين، عن الوضع في العراق. وانه كان يعرف ان اخطاء كثيرة ارتكبت هناك. وانه رفض فصل دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع، او طلب استقالته، رغم ان بعض وزرائه ومستشاريه نصحوه بذلك (ونصحته بذلك، ايضا، زوجته لورا). لكن وودوورد أصدر قبل هذا الكتاب، كتابين لم يهزا البيت الابيض، بل أفرحاه: الاول: «بوش في الحرب»، عن غزو أفغانستان. والثاني: «خطة الهجوم»، عن غزو العراق. اشترى البيت الأبيض مئات النسخ من الكتابين، وشجع قادة الحزب الجمهوري علي شراء وتوزيع الكتابين. وفعلا، استعمل هؤلاء فقرات ايجابية عن بوش في الكتابين في الانتخابات العامة قبل سنتين. وهكذا، قدم وودورد دعاية كبيرة لبوش في الكتابين، واظهره وكأنه «بطل الحربين»: افغانستان والعراق. بينما هز الكتاب الثالث البيت الأبيض لأنه قدم بوش وكأنه «كذاب» و«ناكر» لنتائج كذبه.

لكن كتاب وودورد ليس الكتاب الوحيد الذي هز البيت الابيض، ففي بداية هذه السنة، صدر كتاب "حالة حرب" الذي كتبه جيمس ريسين، مراسل جريدة "نيويورك تايمز" في واشنطن. وكشف الكتاب تجسس الحكومة الاميركية علي اتصالات التلفون والانترنت الدولية بين الولايات المتحدة ودول اخري (خاصة الدول الاسلامية). وعلى اتصالات داخل اميركا، اذا أظهرت الاتصالات الدولية ما يدعو الي ذلك. (كتب المؤلف، قبل صدور الكتاب، تقريرا عن الموضوع في جريدته). لكن البيت الابيض عرف، مسبقا، ان الصحافي ريسين حصل على هذه المعلومات، وطلب من رئيس تحرير جريدة «نيويورك تايمز»عدم نشرها، او تأجيل نشرها. وانتظر رئيس التحرير سنة كاملة قبل ان ينشرها في الجريدة. وعندما نشرها، انتقدها البيت الابيض، وطلب بعض اعضاء ينتمون الي الحزب الجمهوري في الكونغرس من مكتب التحقيق الفدرالي (إف بي آي) التحقيق مع رئيس التحرير.

أما أول كتاب هز ادارة الرئيس بوش، بل هز الشعب الأميركي كله، فكان كتاب «رجال بيض اغبياء» الذي ألفه، في سنة 2001، مايكل مور، الصحافي والمخرج السينمائي. (اخرج، بعد ذلك بسنتين، فيلم «فهرينهايت 11 سبتمبر»، الذي كان هز بوش والشعب الأميركي ايضا، وشن عليه البيت الابيض هجوما عنيفا). كتب مور كتابه قبل هجوم 11 سبتمبر، وانتقد الأشهر الستة الأولي من ادارة بوش، وقال: «هناك رجال بيض اغبياء يسيطرون علي حكم الأمة، وعلى رأسهم رئيس الأمة (وانتقد خطاب «حالة الأمة» الذي القاه بوش يوم تنصيبه الاول). وكان مقررا ان يصدر الكتاب في شهر اكتوبر. لكن، قالت دار نشر «هاربر آند كولنز»: «يحتم الهجوم الإرهابي تأجيل نشر هذا الكتاب بسبب حساسية الموضوع للشعب الأميركي». وطلبت من المؤلف حذف اجزاء الكتاب التي تنتقد بوش لأنها «مؤذية سياسيا خلال هذه الظروف الحرجة». ورفض المؤلف، وساعدت المشكلة على زيادة توزيع الكتاب عندما صدر بعد الهجوم بستة أشهر.

كما هز البيت الأبيض، قبل سنتين، كتاب: «استعلاء امبراطوري: لماذا يخسر الغرب الحرب ضد الارهاب؟» الذي كتبه مايكل شوير الذي كان مسؤولا عن قسم متابعة زعيم تنظيم «القاعدة» اسامة بن لادن في رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه). وقال الكتاب ان خطة الرئيس بوش لمحاربة الارهاب تزيد الارهاب. وانتقد الكتاب غزو العراق لأنه حول الأنظار عن بن لادن. وهز الكتاب البيت الأبيض لسببين: أولا، للأسرار التي كشفها. وثانيا، لأن جورج تينيت، مدير الاستخبارات المركزية السابق، سمح لمؤلف الكتاب اصدار كتابه كرد على حملة البيت الابيض ضده (وقوله ان تينيت يتحمل مسؤولية تقديم معلومات كاذبة عن اسلحة الدمار الشامل في العراق). ولهذا، هز الكتاب البيت الابيض ووكالة الاستخبارات نفسها.

وهز المؤسستين ايضا، قبل سنتين، كتاب «كاسر الفك: مطاردة بن لادن: سرد شخصي لمسؤول في الاستخبارات المركزية». كتب الكتاب غاري بيرنستين، الذي كان مسؤولا في الاستخبارات المركزية عن مطاردة بن لادن على الحدود بين افغانستان وباكستان. وقال، مثلما قال الكتاب الأول، ان حرب العراق قللت من جهود مطاردة بن لادن.

وأثار بيرنستين مشكلة اخرى عندما رفع، في الشهر الماضي، قضية ضد الاستخبارات المركزية نفسها، وقال انها رفضت نشر اكثر من ستين صفحة (بحجة حماية الأمن القومي) مما جعل الكتاب ناقصا. ورفع محامو الاستخبارت المركزية ردا امام المحكمة الفدرالية في واشنطن على لسان الجنرال مايكل هايدن، المدير الجديد، قال فيه: «لا يرفض المدير طلب الموظفين لنشر كتب عن سنواتهم مع الوكالة. لكن، يلتزم المدير بالمحافظة على المصادر والمعلومات الاستخباراتية، مما يحتم مراجعة ما سينشر الموظفون قبل نشره. غير ان ذلك سيكون بطريقة بسيطة وعقلانية». لهذا، يبدو ان المشكلة ليست فقط ان ينشر صحافي كتابا يهز الحكومة، ولكن، ايضا، ان ينشر مثل هذه الكتب موظف عمل فيها. وبينما لا تقدر الحكومة علي منع الصحافي من ذلك، تقدر على منع موظفها (ولهذا يستقيل الموظف الذي يريد نشر كتاب ينتقد الحكومة). وبينما يركز الكتاب الذي يكتبه صحافي على كشف اسرار، يركز الكتاب الذي يكتبه موظف على التفاصيل. وبينما يعتمد الصحافي علي مصادر موثوقة بها، يعتبر الموظف نفسه مصدرا موثوقا به.

واحد من الموظفين الذين استقالوا خلال ادارة بوش الأولي وكتب كتابا هز البيت الأبيض، كان بول اونيل، وزير الخزانة، الذي أصدر كتاب «ثمن الولاء»، وقال فيه ان بوش دخل، خلال الأشهر الأولي لرئاسته، اجتماعا لمجلس الوزراء، واستعمل اصبعه الأوسط ليسيء الي الرئيس العراقي صدام حسين، ويقول انه سيقضي عليه. وصار الكتاب اول مصدر موثوق به يؤكد ان بوش نوى غزو العراق حتي قبل هجوم 11 سبتمبر. واستقال، ايضا، ريتشارد كلارك، مستشار البيت الابيض للإرهاب، وكتب كتاب «ضد كل الاعداء»، وقال انه، عندما كان يعمل مستشارا للرئيس كلينتون، جمع معلومات عن توقع هجوم إرهابي كبير على اميركا، وقدم المعلومات الي الرئيس الجديد بوش، لكن، لم يفعل بوش شيئا حتي وقع هجوم 11 سبتمبر. وجمع اسم الكتاب «كل الاعداء»، بين اعدء اميركا، واعداء مؤلف الكتاب، لأن بوش قال ان كلينتون ومستشاريه (وكان مؤلف الكتاب واحدا منهم) قصروا في عدم قتل بن لادن قبل هجوم 11 سبتمبر.

ولم يشهد رئيس صدور كتب تكشف أسراره وتنتقده مثلما يشهد الرئيس بوش الآن، وذلك لأكثر من سبب، منها: أولا، حروب الإرهاب وافغانستان والعراق. ثانيا، «صحافة الشفافية» التي تنصب الصحافيين باحثين عن كذب ونفاق السياسيين. ولم تكن هناك «صحافة شفافية» عندما كان فرانكلين روزفلت رئيسا خلال الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1943) لتحاسبه. وكان اكثر موضوع يستحق المحاسبة هو تقصير حماية القاعدة العسكرية الاميركية في «بيرل هاربر» عندما هجم عليها اليابانيون. لكن، لم تنتقد صحيفة روزفلت في هذا الموضوع أو أي موضوع آخر. ومضت ست سنوات على «بيرل هاربر»، وسنتان على وفاة روزفلت، قبل ان يصدر الصحافي جورج مورغنشتيرن كتاب «بيرل هاربر: قصة الحرب السرية". لكن ديمقراطيين انتقدوا الكتاب ومؤلف الكتاب، وقالوا انه "يميني يعمل في جريدة يمينية (شيكاغو تربيون)". وحتي عندما اصدر، بعد ذلك بسنة، شارلز بيرد، ليبرالي واستاذ في جامعة "ييل"، كتاب "روزفلت وتوقع الحرب"، وكرر نفس النقد، اتهمه ديمقراطيون ب"مراجعة التاريخ." لكن، انتظر التاريخ ستين سنة، حتي اصدر، في سنة 1999، روبرت ستينيت، صحافي جمهوري وصديق للرئيس بوش الاب، كتاب "حقيقة روفلت وبيرل هاربر". واعتمد الكتاب علي وثائق قديمة كشفت ان ضابطا في الاستخبارات الاميركية قدم تقريرا الي روزفلت عن اهمية الاستعداد لهجوم علي بيرل هاربر، قبل الهجوم بسنة. وغابت "كتب الشفافية"، واستمرت "الكتب المؤدبة" لثلاثين سنة بعد روزفلت. ولم يجرؤ صحافي، او يستقيل موظف، لكشف اسرار ادارة الرئيس ايزنهاور التي استمرت ثمانية سنوات (1954-1960). وصدر، في السنة الماضية، كتاب "ايزنهاور" الذي كتبه بيتر بويل، وكشف فيه خطابات سرية وشخصية كتبها ايزنهاور لوزرائه واصدقائه وافراد عائلته. وكشف الكتاب ان ايزنهاور لم يهتم في البيت الابيض كثيرا بادارة البلاد، وقضي وقتا كثيرا يلعب الغولف. ولم يهتم بالتفرقة العنصرية التي عاني منها السود، خاصة في ولايات الجنوب. لكن الكتاب لم يركز علي اخطاء ايزنهاور، بل ركز علي "سجله كرئيس اميركي بني اميركا القوية، وكان مثل الاب للشعب." وبرر الكتاب تقصير ايزنهاور في الدفاع عن حقوق السود بأنه كان لارضاء اعضاء الكونغرس من ولايات الجنوب.وبعد ايزنهاور، كان بن برادلي، رئيس التحرير السابق لـ "واشنطن بوست" يقدر علي كتابة كتاب يكشف اسرار الرئيس جون كنيدي (1960-1963). ويقدر، ايضا، علي نشر تقارير مثيرة في الجريدة عن هذا الموضوع. وخاصة عن مغامرات كنيدي العاطفية. لكن برادلي لم يفعل ذلك لأنه كان صديق كنيدي. ولأن زوجته "توني" كانت شقيقة ماري مايار، واحدة من صديقات كنيدي، قابلها في منزلهما.

ولم تظهر "صحافة الشفافية" الا بعد ان كشف الصحافي وودوورد (وزميله بيرنشتاين) في جريدة "واشنطن بوست" فضيحة ووترغيب التي سببت استقالة الرئيس نيكسون سنة 1974. وكانت تسمي "صحافة التحقيقات". وكان اهم كتبها "كل رجال الرئيس" الذي اصدره الصحافيان، وكشفا فيه ان نيكسون كان يعلم بالتجسس علي مكاتب الحزب الجمهوري في مبني ووترغيت. رغم ان نيكسون نفي ذلك، وهدد بالتحقيق مع برادلي، رئيس تحرير "واشنطن بوست." (لماذا حرص برادلي علي كشف اسرار نيكسون الجمهوري، لا اسرار كنيدي الديمقراطي؟ اجاب برادلي، في كتاب مذكراته، بأن الصحافيين، في ذلك الوقت، كانوا يفصلون بين المواضيع السياسية والمواضيع الشخصية).

لكن الرئيس رونالد ريغان (1980-1988) كان جمهوريا ايضا، لكنه كان اكثر شعبية من نيكسون (ربما لأنه كان ممثلا سينمائيا لامعا). ولم يجرو صحافي علي كشف اسرار ادارته. لكن وزير الخزانة دونالد رغان استقال وكتب كتاب "للتاريخ" عن بعض اسرار ريغان، منها ان نانسي ريغان كانت تعتمد علي قارئة كف في كاليفورنيا لتحديد برنامج زوجها، خوفا من "العين الشريرة". لكن، لم يملك الوزير الشجاعة ليصدر كتابه حتي خرج ريغان من البيت الابيض. (ولهذا لم يهزه). وكتب وودوورد كتاب "الحجاب"، وكشف فيه دور وكالة الاستخبارات المركزية في نيكاراغوا والسلفادور والشرق الاوسط. لكن، لم يملك وودوورد الشجاعة لينتقد ريغان مباشرة (انتقد وليام كيسي، مدير الاستخبارات المركزية)، ولم يصدر كتابه الا بعد ان خرج ريغان من البيت الابيض ايضا. (ولهذا لم يهزه). ومن المفارقات ان الشخص الذي كلفه ريغان بكتابة قصة حياته، ادموند موريس، كتب اسرارا عنه اكثر من غيره. قال ان ريغان كان ينام خلال اجتماعات مجلس الوزراء، ولم يجرؤ وزير علي نقده، واهتم بالقاء الخطب اكثر من ادارة الدولة، ولم يحب شيئا مثل ان الجلوس الي جوار نانسي، ليتغطيان بلحاف مشترك، ويشاهدان افلام الكاوبوي القديمة.

 

أخبار العالم