تركيا..

نعيم الاتحاد الأوروبي وجحيمه

هل تحول الحلم التركي بالانضمام إلى أوروبا إلى «ورطة» داخلية ؟

عندما سئل وزير الخارجية التركي فطيم رشدي زورلو (وهو الشخصية السياسية التي أعدمت الى جانب رئيس الوزراء التركي الاسبق عدنان مندريس) عام 1959، عن اسباب تقديم طلب العضوية للالتحاق بالمجموعة الاوروبية كان رده موجزا وحاسما السبب هو اليونان وسياستها التركية طبعا، «علينا مطاردتها كيفما تحركت، وان نكون الى جانبها اينما كانت، فهي حتى ولو القت بنفسها في حوض سباحة فارغ، لا بد من وجودنا هناك لمنع خطط استهدافنا والاساءة الينا».

هذه العبارة يرددها الاكاديميون الاتراك حول سبب «الورطة» التركية المزمنة في مسألة العضوية الاوروبية، لكن الحقيقة اهم من ذلك. فالأمر هو ان الاتراك ابدوا رغبة واضحة ابتداء من عام 1839 ومنذ اطلاق عهد «التنظيمات» في الالتزام بالغرب والانفتاح على اوروبا. ومصطفى كمال اتاتورك ليس اول من دافع عن هذا التوجه، لكنه جاء ليكرسه لناحية نشر وتعميم اسس الدولة التركية الحديثة على النسق الأوروبي وترجيح الغرب على الشرق كخيار بديل لحل الكثير من مشاكل تركيا الداخلية والخارجية.

وأعلن في لوكسمبورغ مؤخرا، وفي ختام اجتماعات الترويكا الوزارية الأوروبية مع تركيا التي شارك فيها وزير الخارجية التركي عبد الله غل، أن النقاشات ستبقى مفتوحة ومستمرة بشأن العديد من المسائل العالقة بين الطرفين، وفي مقدمتها الازمة القبرصية وقضايا الحريات وحقوق الإنسان. وقال الاتحاد الاوروبى ساعتها ان مسار الاصلاحات فى تركيا «بطيء». وأقر الوزير غل أقر بوجود صعوبات وعقبات على طريق الإصلاحات المنشودة، فـ«نحن حققنا الكثير ولكننا ما زالنا بحاجة إلى مزيد من الوقت»، لكنه جدد القول «اننا نعمل من أجل أن يكون مجتمعنا ديمقراطياً، وأن تحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير سواء انضمت تركيا إلى الإتحاد أم لم تنضم». اما الخيط الرفيع الآخر في علاقات الجانبين، وهى الازمة القبرصية، فيبدو انها دخلت مرحلة جديدة على ضوء المستجدات المتلاحقة في الجزيرة بشقيها التركي واليوناني، ان السؤال المطروح هنا هو حول ما اذا كانت تركيا ستعترف بجمهورية قبرص من دون أن يتخذ القبارصة اليونان خطوات لإنهاء عزلة الشمال والعودة الى طاولة محادثات السلام التي تقودها الامم المتحدة؟ فمن المعروف ان قبرص باسم الجانب اليوناني انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 على الرغم من انقسام الجزيرة، وان تصويت القبارصة الأتراك لصالح خطة سلام للأمم المتحدة عام 2004 لم يلق الرد الايجابي المناسب في الجنوب. ومن المعروف ايضا ان حكومة حزب العدالة الاسلامى التركي ـ رغم اصرارها على ان ما جرى هو ليس اعترافا بقبرص اليونانية ـ وقعت في شهر يوليو (تموز) الماضي على ما يعرف ببروتوكول أنقرة الذي يجعل اتفاقيتها حول اتحاد الجمارك ساريا على دول الاتحاد العشر الجديدة، بما فيها قبرص مما يجعلها تتعرض اليوم لضغوطات اوروبية كبيرة من اجل السماح للبواخر والطائرات القبرصية اليونانية بدخول موانئها ومطاراتها. ايضا من القضايا الحساسة، المسألة الارمنية حيث تواجه تتعثر العلاقات بين انقرة من ناحية، وعدد من الدول الاوروبية، على رأسها فرنسا على خلفية قضية الاعتراف بمذابح الأرمن. ومع انه من الصعب التعامل بإسهاب مع كل القضايا والاشكاليات المتعلقة بالعلاقات التركية ـ الاوروبية عشية مرور عام كامل على اطلاق المفاوضات المباشرة على طريق عضوية تركيا. لكن لا بد اولا من التسليم ان انقرة بدأت تغير من اقوالها ومواقفها السابقة بشأن الحديث عن خطوط حمراء في العلاقات التركية ـ الاوروبية لا يمكن لاحد ان يتجاوزها. لا بد ايضا من التوقف عند ارتفاع عدد الاصوات المعارضة للاتحاد الاوروبي داخل تركيا والتي تحذر من احتمالات سحب البساط من تحت الاقدام اثناء التعامل مع اكثر من مسألة قومية وطنية داخلية مصيرية، يتقدمها الموضوع الارمني والقضية القبرصية وتعديل بعض المواد الحساسة في الدستور التركي الدرع الحصين للدولة العلمانية ضمن مبررات اطلاق حرية التعبير والديمقراطية والمشاركة السياسية، وحقوق الاقليات واعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات المدنية والسلطة العسكرية.

حقيقة ثالثة هي ان تركيا رغم ما تملكه من اوراق وخيارات استراجية مهمة لناحية موقعها ودورها الاقليمي المهم، لم تنجح حتى الساعة في استغلال هذه الفرص كما يجب. ويكفي الاشارة هنا الى طرح القبارصة اليونان استعدادهم للعب دور البديل عن القوة التركية ولحمل الاتحاد الاوروبي الى الشرق الأوسط من بوابة المتوسط الشرقية، جاعلين من انفسهم الطرف الثاني في المعادلة. وما تجربة الدور القبرصي الاقليمي خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان، وتحول الجانب الجنوبي من الجزيرة الى قاعدة استراتيجية اوروبية تقدم الخدمات على كافة الصعد، سوى خير مؤشر على ذلك. نقطة رابعة هي أن الاتحاد الأوروبي يخيفه حتما، التفوق البشري التركي الذي سيهيمن ديمقراطيا على مؤسسات الاتحاد ويتحول الى قوة ضاغطة، تتحكم من الداخل في القرارات والمستقبل والمصير، لا بل ان العديد من هذه الدول تصغي بدقة الى نداءات الكنيسة في روما وتحذيراتها حول ضرورة مراجعة وتدقيق بعض مواد الدستور الأوروبي، واقرار المسيحية كدين وهوية وانتماء لهذه المجموعة، وهي محاولة مكشوفة لوقف الاندفاع التركي وتخويفه وقطع الطريق عليه. وكل هذا يعني ان الاتحاد الاوروبي نفسه لم يحسم بعد موضوع «هضم» الوجود التركي بينه، رغم حاجته الماسة الى تركيا اقتصاديا وتجاريا وامنيا.

لكن تركيا تبذل جهدها للوفاء بشروط الانضمام، وخطت أنقرة خطوات جذرية من قبيل رفع عقوبة الاعدام، وإلغاء محاكم أمن الدولة، وإعادة النظر في القانون الجزائي واجراء اصلاحات جذرية في العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية، لكنها امام التذبذب الاوروبي هذا ستجد نفسها ملزمة خلال السنوات الثلاث المقبلة بمراجعة استراتيجيتها الاوروبية شكلا ومضمونا، ضمن فكرة ايجاد البديل الافضل الذي يجنبها ضربات المطرقة الاوروبية صعودا وهبوطا، خصوصا ان المواطن التركي يطرح اليوم سؤالا حياتيا مهما، هل ان الالتحاق بالاتحاد الاوروبي هو لحل مشاكل البلاد وازماته، ام لتعقيد الأمور اكثر فأكثر؟ إن التطورات الأخيرة والتصعيد الواضح في ملف العلاقات التركية ـ الاوروبية يقود الى الرهان على خيارين مهمين لهما علاقة مباشرة بالداخل التركي: اما المضي في اللعبة الاوروبية حتى النهاية، او التوقف عند هذا الحد ووضع نقطة لكل ما يجري مع الاخذ بعين الاعتبار طبعا ان هذا البديل سيكون مكلفا، وقد يقود الى ازمة سياسية داخلية من الصعب تحديد اضرارها وانعكاساتها ومعرفة نتائجها منذ الان. «نعمة» الاتحاد الاوروبي تكاد بين ليلة وضحاها تتحول الى «نقمة» في تركيا. نقمة على منظري السياسة الخارجية على ابطالها وروادها الذين رفضوا منذ سنوات مقاسمة الشعب التركي هذا الملف وصوروا له المستقبل على انه التنقل عبر الحدود الاوروبية بحرية مطلقة من دون تأشيرة الدخول والانتظار على ابواب السفارات. اصبح الاتراك لا يحبون قدوم الخريف، وخصوصا شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام حيث تسارع المفوضية الاوروبية لتقديم تقريرها المفصل حول مسار العلاقات بين الجانبين تتجاهل ملفها القديم وتنصرف لطرح مطالب وثوابت جديدة، لم تكن في الحسبان، ويكفي مثلا مقارنة تقرير «المرمطة» عام 1999 الذي جاء مصحوبا بقرار قبول طلب الترشيح الرسمي الذي تقدمت به تركيا وكان مدججا وقتها بشروط ومطالب يتقدمها التساهل في الملف القبرصي وعدم اعدام عبد الله اوغلان وتحييد المؤسسة العسكرية والغاء حالة الطوارئ في جنوب شرق تركيا واقرار جملة من الاصلاحات السياسية والدستورية والاقتصادية، بتقرير عام 2006 الذي ينتظره الاتراك بفارغ الصبر الشهر المقبل والذي سيحمل حتما مطالب من العيارات الثقيلة مثل فتح الحدود واسعة امام سفن وبواخر القبارصة اليونان، مما يعني الاعتراف الرسمي بتمثيلهم لقبرص الجزيرة.

اوروبا تمتلك الكثير من الاوراق والحجج التي ستستخدمها من دون تردد في مفاوضاتها مع تركيا، وهي اساليب قد تكون تعجيزية مرة، واستفزازية مرة اخرى وما مطلب الفاتيكان الأخير بضرورة مراجعة وتدقيق نصوص الدستور الاوروبي وحسم الخلافات والعراقيل القائمة حول الهوية الدينية لاوروبا سوى مؤشر جديد على ما ينتظر الاتراك من حواجز ومطبات. حزب «العدالة والتنمية» التركي الحاكم سيواجه بدوره رغم تمسكه بخيار الاتحاد الاوروبي ازمة داخلية لا مفر منها على هذا الصعيد لأن مطالب المفوضية والبرلمان الاوروبي لا حدود لها وقواعده الشعبية تحذره باستمرار (استفتاءات الرأي الاخيرة تشير الى هبوط في شعبية العدالة)، وهو على ابواب معركة سياسية انتخابية صعبة خلال الاشهر المقبلة. هل يكون البديل الانسب للخيار الاوروبي وسط هذه الظروف، ما يقترحه اليوم انصار الليبرالية الحديثة في تركيا من كتاب وصحافيين واكاديميين في دفع عجلة النمو الاقتصادي، وتوسيع رقعة الحريات على كافة الاصعدة، ورفع مستوى التعليم والتقدم التكنولوجي وتحسين وضع الادارة والاستفادة من دور وسائل الاعلام في حملة التوعية والتنمية؟

 

أخبار العــراق

أخبار العالــم